تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
مفعول لفعل محذوف خوطب به سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من الجنايات ، أي واذكر لهم يا محمد وقت قول موسى عليه السلام ( لقومه ) ناصحاً ومستميلاً لهم بإضافتهم إليه * ( يَا قَوْم اذْكُرُواْ نَعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ) * وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت أبلغ من توجيهه إلى ما وقع فيه ، وإن كان هو المقصود بالذات كما مرت الإشارة إليه ، و * ( عليكم ) * متعلق إما بالنعمة إن جعلت مصدراً ، وإما بمحذوف وقع حالاً منها إذا جعلت اسماً أي اذكروا إنعامه عليكم بالشكر ، واذكروا نعمته كائنة عليكم ، وكذا * ( إذ ) * في قوله تعالى : * ( إذْ جَعَلَ فيكُمْ أنبيَاءَ ) * متعلقة بما تعلق به الجار والمجرور أي اذكروا إنعامه عليكم في وقت جعله ، أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم في وقت جعله فيما بينكم من أقربائكم أنبياء ، وصيغة الكثرة على حقيقتها كما هو الظاهر ، والمراد بهم موسى وهارون ويوسف وسائر أولاد يعقوب على القول بأنهم كانوا أنبياء ، أو الأولون ، والسبعون الذين اختارهم موسى لميقات ربه ، فقد قال ابن السائب ومقاتل : إنهم كانوا أنبياء . وقال الماوردي وغيره : المراد بهم الأنبياء الذين أرسلوا من بعد في بني إسرائيل ؛ والفعل الماضي مصروف عن حقيقته ، وقيل : المراد بهم من تقدم ومن تأخر ولم يبعث من أمة من الأمم ما بعث من بني إسرائيل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . * ( وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ) * عطف على * ( جعل فيكم ) * وغير الأسلوب فيه لأنه لكثرة الملوك فيهم أو منهم صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلكهم في السعة والترفه ، فلذا تجوز في إسناد الملك إلى الجميع بخلاف النبوة فإنها وإن كثرت لا يسلك أحد مسلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنها أمر إلهي يخص الله تعالى به من يشاء ، فلذا لم يتجوز في إسنادها ، وقيل : لا مجاز في الإسناد ، وإنما هو في لفظ الملوك فإن القول كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله تعالى ، فسمى ذلك الإنقاذ ملكاً ، وقيل : لا مجاز أصلاً بل جعلوا كلهم ملوكاً على الحقيقة ، والملك من كان له بيت وخادم كما جاء عن زيد بن أسلم مرفوعاً . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً " . وأخرج ابن جرير عن الحسن هل الملك إلا مركب وخادم ودار ، وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال عبد الله : ألك زوجة تأوي إليها ؟ قال ؛ نعم ، قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم ، قال : فأنت من الأغنياء ، قال : فإن لي خادماً ، قال : فأنت من الملوك ، وقيل : الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار ، وقيل : من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق ، وإليه ذهب أبو علي الجبائي ، وأنت تعلم أن الظاهر هنا القول بالمجاز وما ذكر في معرض الاستدلال محتمل له أيضاً . * ( وآتاكم مَّا لَمْ يُؤْت أَحَداً مِّنَ العالمين ) * من فلق البحر وإغراق العدو وتظليل الغمام وانفجار الحجر وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور المخصوصة ، والخطاب لقوم موسى عليه السلام كما هو الظاهر ، وأل في * ( العالمين ) * للعهد ، والمراد عالمي زمانهم ، أو للاستغراق ، والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع الوجوه ، فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل ، وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية ، وإيتاء ما لم يؤت أحد وإن لم يلزم منه التفضيل لكن المتبادر من استعماله ذلك ، ولذا أول بما أول ، وعن سعيد بن جبير وأبي مالك أن الخطاب