تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
وقوله تعالى : بَلْ أَنتُم بَشَرٌ عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ليس الأمر كذلك * ( بل أنتم بشر ) * وإن شئت قدرت مثل هذا في أول الكلام وجعلت الفاء عاطفة ، وقوله سبحانه : * ( مِّمَّنْ خَلَقَ ) * متعلق بمحذوف وقع صفة * ( بشر ) * أي بشر كائن من جنس من خلقه الله تعالى من غير مزية لكم عليهم . * ( يَغْفرُ مَن يَشَاءُ ) * أن يغفر له من أولئك المخلوقين وهم المؤمنون به تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام * ( وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ) * أن يعذبه وهم الذين كفروا به سبحانه وبرسله عليهم السلام مثلكم ، والذي دل على التخصيص قوله تعالى : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) * ( النساء : 48 ) إن قلنا بعمومه كما هو المعروف المشهور ، ومن الغريب ما في " شرح مسلم " للنووي أنه يحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه الأمة وفيه نظر . هذا وأورد بعض المحققين هنا إشكالاً ذكر أنه قوي وهو أنه إذا كان معنى * ( نحن أبناء الله ) * تعالى أشياع بنيه فغاية الأمر أن يكونوا على طريقة الابن تحقيقاً للتبعية لكن من أين يلزم أن يكونوا من جنس الأب كما صرح به الزمخشري في انتفاء فعل القبائح ، وانتفاء البشرية والمخلوقية ليحسن الرد عليهم بأنهم بشر ممن خلق ، نعم ما ذكروه في هذا المقام من استلزام المحبة عدم العصيان والمعاقبة ربما يتمشى لأن من شأن المحب أن لا يعصي الحبيب ولا يستحق منه المعاقبة ، ومن هنا قيل : تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في الفعال بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع وفيه مناقشة لأن هذا شأن المحبين والأحباء هم المحبون ، وأجاب عن إشكال إثبات البشرية بأنه ليس إثباتاً لمطلق البشرية ليجب أن يكون رد الدعوى بانتفائه بل هو إثبات أنهم بشر مثل سائر البشر ، ومن جنس سائر المخلوقين منهم العاصي والمطيع والمستحق للمغفرة والعذاب لا كما ادعوا من أنهم الأشياع المخصوصون بمزيد قرب واختصاص لا يوجد في سائر البشر ولذا وصف بشراً بقوله سبحانه : * ( ممن خلق ) * حتى لا يبعد أن يكون * ( يغفر لمن يشاء ) * أيضاً في موقع الصفة على حذف العائد أي لمن يشاء منهم ، وأما إشكال الجنسية فقيل في جوابه : المراد أنكم لو كنتم أشياع بني الله تعالى لكنتم على صفتهم في ترك القبائح وعدم استحقاق العذاب لأن من شأن الأشياع والأتباع أن يكونوا على صفة المتبوعين ، والمتبوعون هنا هم الأبناء بالزعم ، ومن شأن الأبناء أن يكونوا على صفة الأب فمن شأن الأتباع أن يكونوا على صفة الأب بالواسطة ، وقيل : كلام من قال : يلزم أن يكونوا من جنس الأب على حذف مضاف ، أي لو كنتم أشياع بني الله تعالى لكنتم من جنس أشياع الأب يعني أهل الله تعالى الذين لا يفعلون القبائح ولا يستوجبون العقاب . وفي " الكشف " أن قولهم : * ( نحن أبناء الله ) * تعالى فيه إثبات الابن ، وأنهم من أشياعه مستوجبون محبة الأب لذلك فينبغي أن يكون الرد مشتملاً على هدم القولين فقيل : من أسندتم إليه البنوة لا يصلح لها لإمكان القبيح عليه وصدوره هفوة ومؤاخذته بالزلة ودعواكم المحبة كاذبة وإلا لما عذبتم ، وأيضاً إذا بطل أن يكون له تعالى ابن بطل أن يكون أشياعه ، وكذلك المحبة المبنية على ذلك ، ثم قال : وجاز أن يقال : إنه لإبطال أن يكونوا أبناءاً حقيقة كما يفهم من ظاهر اللفظ أو مجازاً كما فسره الزمخشري اه‍ . وأنت تعلم أن كل ما ذكره ليس بشيء كما لا يخفى على من له أدنى تأمل ، وما ذكرناه كاف في الغرض .