تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ابن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله تعالى وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه ، وقالت النصارى ذلك قبلهم ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية " وعن الحسن أن النصارى تأولوا ما في الإنجيل من قول المسيح : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم فقالوا ما قالوا . وعندي أن إطلاق ابن الله تعالى على المطيع قد كان في الزمن القديم ، ففي التوراة قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام : اذهب إلى فرعون وقل له يقول لك الرب إسرائيل ابني بكري أرسله يعبدني فإن أبيت أن ترسل ابني بكري قتلت ابنك بكرك ، وفيها أيضاً في قصة الطوفان أنه لما نظر بنو الله تعالى إلى بنات الناس وهم حسان جداً شغفوا بهن فنكحوا منهن ما أحبوا واختاروا فولدوا جبابرة فأفسدوا فقال الله تعالى : لا تحل عنايتي على هؤلاء القوم ، وأريد بأبناء الله تعالى أولاد هابيل ، وبأبناء الناس أبناء قابيل ، وكنّ حساناً جداً فصرفن قلوبهن عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الأوثان ، وفي المزامير أنت ابني سلني أعطك ، وفيها أيضاً أنت ابني وحبيبي ، وقال شعيا في نبوته عن الله تعالى : تواصوا بي في أبنائي وبناتي يريد ذكور عباد الله تعالى الصالحين وإناثهم ، وقال يوحنا الإنجيلي في الفصل الثاني من " الرسالة الأولى " - انظروا إلى محبة الأب لنا أن أعطانا أن ندعى أبناء - وفي الفصل الثالث - أيها الأحباء الآن صرنا أبناء الله تعالى فينبغي لنا أن ننزله في الإجلال على ما هو عليه فمن صح له هذا الرجاء فليزك نفسه بترك الخطيئة والإثم ، واعلموا أن من لابس الخطيئة فإنه لم يعرفه - وقال متى : قال المسيح : أحبوا أعداءكم ، وباركوا على لاعنيكم ، وأحسنوا إلى من يبغضكم ، وصلوا على من طردكم ، كيما تكونوا بني أبيكم المشرق شمسه على الأخيار والأشرار ، والممطر على الصديقين والظالمين ، وقال يوحنا التلميذ في " قصص الحواريين " : يا أحبائي إنا أبناء الله تعالى سمانا بذلك ، وقال بولس الرسول في " رسالته إلى ملك الروم " : إن الروح تشهد لأرواحنا أننا أبناء الله تعالى وأحباؤه ، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة ، وقد جاء أيضاً إطلاق الابن على العاصي ولكن بمعنى الأثر ونحوه ، ففي " الرسالة الخامسة لبولس " إياكم والسفه والسب واللعب فإن الزاني والنجس كعابد الوثن لا نصيب له في ملكوت الله تعالى واحذروا هذه الشرور فمن أجلها يأتي رجز الله على الأبناء الذين لا يطيعونه ، وإياكم أن تكونوا شركاء لهم فقد كنتم قبل في ظلمة فاسعوا الآن سعي أبناء النور . ومقصود الفريقين ب * ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) * هو المعنى المتضمن مدحاً ، وحاصل دعواهم أن لهم فضلاً ومزية عند الله تعالى على سائر الخلق ، فرد سبحانه عليهم ذلك ، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : * ( قل ) * إلزاماً لهم وتبكيتاً * ( فَلمَ يُعَذِّبُكُم بذُنُوبكُم ) * أي إن صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم يوم القيامة بالنار أياماً بعدد أيام عبادتكم العجل ، وقد اعترفتم بذلك في غير ما موطن ، وهذا ينافي دعواكم القرب ومحبة الله تعالى لكم أو محبتكم له المستلزمة لمحبته لكم كما قيل : ما جزاء من يحب إلا يحب ، أو فلأيّ شيء أذنبتم بدليل أنكم ستعذبون ، وأبناء الله تعالى إنما يطلق إن أطلق في مقام الافتخار على المطيعين كما نطقت به كتبكم ، أو إن صح ما زعمتم فلم عذبكم بالمسخ الذي لا يسعكم إنكاره ، وعدّ بعضهم من العذاب البلايا والمحن كالقتل والأسر ، واعترض ذلك بأنه لا يصلح للإلزام فإن البلايا والمحن قد كثرت في الصلحاء ، وقد ورد " أشد الناس بلاءاً الأنبياء - عليهم السلام - ثم الأمثل فالأمثل " ، وقال الشاعر : ولكنهم أهل الحفائظ والعلا * فهم لملمات الزمان خصوم