تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
الطبيب عندما يخبر بملاحظة العلامات والمؤشرات بأنّ الكبد متعرّضٌ للتلف ؛ فإن مُخْبَرَهُ أمرٌ حسي ، لكنّ وسيلة الوصول إلى هذا الأمر الحسي هو الحدس ، فالمعيار هو وسيلة المعرفة لا متعلّق المعرفة ؛ وإلا سقطت أكثر موارد الحدسيّة التي مرجعها أهل الخبرة عن الحدسيّة ، وصار اجتهاد الفقيه لمعرفة ما قال المعصوم أمراً حسيّاً ؛ لأنّ قول المعصوم حسّيٌ سمعي ، وهذا واضح الفساد . من هنا ، فما قيل في هذه الملاحظة - على مستوى بعض صيغها - من أنّ العدالة أمرٌ حسيّ وليس حدسيّاً ، فتكون شهادة الرجالي حسيّةً ، غيرُ دقيقٍ في مستوى استخدامه هنا ؛ لأنّ حسيّة العدالة لا تعني أنّ نهج الوصول إليها من قبل الرجالي حسيّ ، وليس حدسياً . وإذا كان المعاصرون للرواة يمكنهم حسّاً الوصول إلى وثاقتهم وعدالتهم وحسن حالهم ، فإنّ غير المعاصرين ممّن تفصلهم القرون عن الرواة لا يتسنّى لهم ذلك ، كما هو واضح . قد تقول : إنّ مرادهم هنا هو أنّ المتعلّق إذا كان حسيّاً ، فلابدّ أن يُعرف بالحسّ ، ولا سبيل لمعرفته بغيره ، ومن هنا استنبطوا أنّ قول الرجاليّ حسيٌّ . والجواب بات واضحاً ؛ إذ لا تلازم منطقيّاً بين حسيّة المتعلّق وحسيّة الطريق إليه وإلى إثباته أو نفيه . رابعاً : إنّ القول بإمكانيّة معرفة الزوجة والأولاد بعدالة الزوج وأمانته ، فحال الرجالي كهذا الحال ، فيه خلطٌ ؛ إذ الزوجة علمت بالعدالة من خلال الحسّ ؛ لطول المعاشرة مع الرؤية والسماع ، أما الرجاليّ فعلم بذلك من خلال مطالعة روايات الراوي ، وحشد الأدلّة والشواهد ، وإقصاء بعض المحتملات ، وتقريب بعضها الآخر ، معملًا النظر والخلفيّات الفكريّة الموجودة عنده في ذلك ، فأين هذا المنهج من ذاك ؟ ! وغاية ما في الأمر هو دعوى أنّ موضوعاً واحداً يمكن أن يكون حسيّاً ، بمعنى وصول بعض الناس إليه عن طريق الحسّ ، فيكون إخبارهم عنه حسيّاً ، ويمكن أن يكون حدسيّاً لقومٍ آخرين فيما لو كان وصولهم إليه عن طريق الحدس والنظر ، وانعدام فرص الوصول