فإنّ هذه النصوص تنافي أصالة العدالة ، مع أنّ النصّ الذي قبلها يوافقها !
والخلاصة : إنّ مبدأ وجود بعض الارتباك في الموضوع ينبغي الإقرار به دون تأويل النصوص ، ولعلّهم يميّزون بين الأبواب كباب القبلة وباب القضاء وغيرها ، فكلّ شيء محتمل ، بل قد يحتمل تمييزهم بين الأبواب الفقهيّة وباب حجيّة الأخبار والرواة ، فدعوى الجزم بهذا المقدار أنّهم لا يقولون بأصالة العدالة صعبة ، وإن كان الجزم بقولهم بها مطلقاً ليس يسيراً ، لا سيما عند العلامة الحلّي . وأمّا سائر من نُسب إليه القول بأصالة العدالة كابن الوليد وابن الجنيد والصدوق والمفيد وغيرهم فلم يتضح لنا نصّ وصلنا منهم يؤكّد ذلك .
الحلّ الثاني : توظيف الضرورة الأخلاقيّة لتبيين أصول التعديل
ثاني الحلول هنا هو ما ذكره الوحيد البهبهاني ، وفصّله المحقّق القمي « 1 » ، وذلك أنّهم عندما يعدّلون فهم يعرفون أنّ هناك اختلافاً في قضيّة العدالة من حيث تعريفها ومن حيث طرق إثباتها ، فإذا أطلقوا التعديل لجميع العلماء عبر الأزمنة فعليهم أن يبيّنوا أنّ ذلك على مسلكهم خاصّة وأن يوضحوا نظريّتهم ، فالطوسي يكتب للأجيال القادمة ، وليس فقط لعلماء عصره الذين يعرفون نظريّاته ، فعمدة مقاصدهم في تأليف هذه الكتب بقاؤها أبد الدهر وانتفاع من سيجيء بعدهم منها ، على حدّ تعبير الميرزا القمي .
هذا كلّه يعني أنّ هؤلاء العلماء الصالحين الورعين الفاهمين يبعُد في حقّهم الغفلة عن مثل هذه الأمور ، فلو بنوا على ذلك لبيّنوا في كتبهم ، وحيث لم يذكروا شيئاً من هذا النوع ، دلّ على أنّهم لم يُعْمِلوا نظريّاتهم الخاصة هذه ، بل أخذوا الحدّ الأعلى من العدالة المتفق عليه بين الجميع .
هذا الحل يواجه مشاكل أيضاً ، أبرزها :
هامش
( 1 ) انظر : تعليقه على منهج المقال : 5 - 6 ؛ والقوانين المحكمة : 474 ؛ والملا علي كني ، توضيح المقال : 55 .