عمرو ، لكان لإشكاليّة الإرسال مجال ؛ إلا أنّ طريقتهم في التعرِّف على أحوال الرواة كانت مختلفة تماماً ؛ لأنهم بكثرة المصادر التي وصلتهم ووضوح أمر الرواة ، فقد استندوا إلى هذا الوضوح التام واعتمدوا عليه ونقلوا على أساسه ، وفي مثل هذا النوع من النقل - كنقلنا وثاقة الشيخ الأنصاري - لا يُحتاج إلى إسناد ولا يضرّ الإرسال ؛ لأنّ النقل لا يقوم على نقل زيد عن عمرو عن بكر ، كما صار واضحاً « 1 » .
وهذا الجواب تقدّم إبطال أساسه ، وأنّ حالة الوضوح المدّعاة إنما تصحّ في عدد قليل من الرواة ، ولا سيما مع وجود تعارض بين الرجاليّين ، وبين العديد من الروايات التي تقوّم حال بعض كبار الرواة كزرارة وغيره ، بل لقد وجدنا بعض الرجاليّين يضعّف شخصاً في كتابٍ ويوثقه في آخر ، مما يدلّ على تغيّر في رأيه ، وهذا ما يعزّز الحدسيّة أو على الأقلّ يضعّف دعوى الوضوح التام في أمر الرواة جميعاً .
واللافت أنّ السيد الخوئي وبعض أنصار مدرسته قد ردّوا إشكال الحدسيّة بالوضوح الناتج عن تراكم المعطيات والكتب عند الرجالي ، بقطع النظر عن السند ، فإذا كانت هذه الطريقة تفي بالحسيّة وتدرأ شبهة الحدسيّة ، فما هو المانع إذن - بعد ردّ دعوى الوضوح التام المطلق - أن نقول : إنّه قد حصل للنجاشي في بعض الموارد وضوحٌ شحصي بوثاقة الراوي دون أن يكون اعتمد على إسناد الثقة ، بل كفاه في تحصيل هذا الوضوح الشخصي إسنادان أو ثلاثة لم يرد فيهما رجلٌ كذاب ؟ وهذا لا يحوّل عمله من الحسيّة إلى الحدسيّة التامّة .
ج - تخريج الموقف وفق مقولة شهادة الثقة ، إبطالٌ وردّ
الجواب الثالث : ما ذكره الشيخ الإيرواني أيضاً ، واعتبره جواباً جديداً ، وحاصله أنّ هناك شيئاً في ذهن العقلاء اسمه شهادة الثقة ، ويُقصد بشهادة الثقة أن يشهد الثقة ويخبر -
هامش
( 1 ) باقر الإيرواني ، دروس تمهيدية في القواعد الرجاليّة : 194 - 195 .