تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
الدفاعي كانا أهمّ العناصر المحرّكة لمشروع التقريب . والإشكالية التي تحكم هذا المنطلق - على صحّته - تتلخّص في أن المناخ السياسي ليس مناخاً مستقراً قادراً على حل خلافات بالغة العمق في الاجتماع الإسلامي على مرّ التاريخ ، لأن الحلول التي تنجم عن المصالح السياسية حلول مؤقتة ، فإذا ما تحوّلت الأوضاع فإن رصيداً كافياً لمشروع التقريب لن يبقى له من وجود ، وهذا معناه أن الخلاف المذهبي يجب حلّه من الأفق المعرفي والاجتماعي قبل مداولته في السياق السياسي ، لأن هذين البعدين أكثر عمقاً في حلّ المشكلات من الإطار السياسي الذي ما يلبث أن يتوارى خلف الأفق عند أيّ صدمة داخلية . الملاحظة الثالثة : إن إدخال مشروع التقريب في السياق السياسي أدّى ويؤدّي إلى حالة ازدواجية ، جعلت أصحاب التقريب وحدويين في علاقاتهم العامّة ، وطائفيين عندما يرجعون إلى بني جلدتهم ، وهذه الازدواجية تجعلنا قلقين جداً على سلامة مشروع التقريب ، لأنه سوف يغدو مشروعاً أقرب إلى روح النفاق منه إلى الروح الجادّة والمخلصة . الملاحظة الرابعة : واحدة من إشكاليات مشروع التقريب أن أصحابه دخلوه بهدف تحقيق مصالح مذاهبهم ، وهذا معناه أنّ فكرة التقريب غدت بنفسها فكرة مذهبية ، ومن ثم ولد في باطنها نقيضها التام ، إن المفترض في هذا المشروع أن ينطلق من الزاوية التي تجمع الأطراف لا التي تفصلهم ، ومن ثم ليس مفترضاً أن يكون هدف الشيعي من المشروع أن يعترف به الأزهر ، ولا هدف السنّي منه أن يتوقّف سبّ الصحابة . . وإلا فإن المشروع سيولد ميتاً كما حصل في مجالات عديدة . إنّ مشروع التقريب يجب أن ينظر إلى الواقع والمستقبل لا إلى الماضي ، ومن ثم يفترض به أن يتحرّر من سلطة التراث وإلا عدنا إلى الكرّة نفسها ، لكن لا بمعنى التنازل عن المعتقدات بل بمعنى الفراغ عن الشرعية ذاتها في المناخ المذهبي الداخلي .