واعين بها ، وإلا اصطدمنا بواقع مرير ، إن محاولات الاعتراف بالآخر في الوسط الديني أفرطت بعض الشيء على الصعيد الميداني ، أي أن عمليات الاعتراف والاستحضار للآخر ظهرت في أشكال تبدو في مناخ ديني عالم ثالثي معوجّة ومثيرة للقلق ، وعندما تظهر حالة التحفّظ يشعر التيار النهضوي بأزمة ، فترتدّ عليه هروباً إلى الأمام ؛ قلقاً من سيطرة التيار الآخر عليه ، وهذا الهروب العجول إلى الأمام هو ما يرتدّ مزيداً من الارتكاس في التيار الديني المتحفّظ ، فتتسع الهوّة ، لكن هذا الاتساع يكون - دينياً - على حساب التيار النهضوي ، لأن الهروب إلى الإمام يؤدّي به أحياناً إلى حالة إفراط ، تضعه في موضع الغربة عن الساحة الدينية ، فتُعْجِزُه عن أن يمارس دوراً تغييراً بحكم الانفصال الذي حصل والقطيعة التي وقعت ، وهذا ما يجعلنا نرى من الخارج أن الخطاب الديني آخذ في نفي الآخر كردّ فعل سلبي على رفض محاولات النهضة والتطوير في الداخل ، ولعلّ هذا هو الذي حصل فعلًا في أكثر من واقع إسلامي نعيشه .
ج - واستكمالًا للنقطة السالفة نؤكّد أن التيار الديني الرسمي ، ولكي يعزّز خصوصيته المقارنة لنفي الآخر يعيد استحضار كلّ المقولات - حتى الميتة - ذات الخصوصية ، ولهذا يجب علينا أن نترقّب مزيداً من الاستغراق في الدوائر المذهبية المغلقة وإحياء سلسلة مفاهيم ومقولات لم يكن يفكّر بها بشكل مستديم حتى من أحياها ، ولهذا يعاد طباعة كتب خاصة وتحقيقها ونشرها وتداولها .
ويعزّز هذه الحالة السياق السجالي التاريخي مع الآخر ، وهو سياق من شأنه أن يمدّ تيار النكوص بزخم تراثي هائل وصورة بشعة للغاية عن الآخر ، فإذا ما أريد إنهاضها فإنها لن تنتج سوى مزيداً من النفي والإقصاء والقطيعة .
* كيف يمكن لنا أن ندفع بمفهوم التقريب بين المذاهب إلى مستوى الإمكان في مستواه المعرفي ؟ لماذا تتوقّف الجهود عند حدود التقريب في صورته
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 434
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٣٤