وهذه هي إحدى زوايا النظر إلى مناهج قراءة النص الجديدة لدى علماء الأصول ، إنّ الإرث التاريخي لعلم الأصول كونه أحد العلوم الإسلامية القليلة التي ولدت قبل عصر الترجمات مما يعطيه ميزة وخاصية ، والتطوّر المذهل له في القرون الأخيرة مما منحه نوعاً من النرجسية ، وهو تطوّر يجب أن نثني عليه رغم كلّ الملاحظات المثارة ، والسكونية الفقهية تقريباً رغم حراك علم الأصول . . كلّ ذلك دفع مدرسة علم الأصول إلى التحفظ على هذه المناهج وذلك :
أولًا : إن بعضها يزيل البنية التحتية لما يسمّى مباحث الألفاظ من علم الأصول كونه يعلن موت المؤلّف وعبثية السعي وراء المقصود النهائي ، وهذا ما يؤدي إلى فقدان مباحث الألفاظ الأصولية المبرّر والشرعية ، كونها تقوم على محاولة اكتشاف ما يسمّيه علم الأصول : المراد الجدّي للمتكلم .
إن نظريات جديدة كهذه النظريات من شأنها أن تثير الهلع في الوسط الأصولي نظراً لعمق التغييرات التي تتركها داخل علم الأصول .
ثانياً : إن جملة مفاهيم رئيسية في مناهج قراءة النص الأخيرة تقوم على تاريخانية النص ، وتسعى على الدوام لربطه بالواقع التاريخي المحيط ، ورغم أن علم الأصول ومن قبله التفسير وعلوم القرآن قد أقرّا بهذه الحقيقة غير أن درجة تفعيلها في البحث الفقهي بقيت محدودة بما لا مجال لتفصيله هنا ، وإذا أسهبنا في استخدام المنطق التاريخاني فسوف تتغيّر نتائج بالغة وحادّة في الفقه وعلى نطاق كبير وحسّاس ، الأمر الذي يمزّق حالة السكون التي انتابت الدرس الفقهي رغم تطوّرات علم الأصول كما ألمحنا إليه ، مما يثير القلق لدى التيار المدرسي ، سيما وأن أنصار التاريخانية المعاصرين لم يقدّموا حتى الساعة ضوابط يمكن الاحتكام إليها لتحديد النصوص ذات الدلالات الثابتة وتلك المتحركة ، الأمر الذي يجعل التشريعات كلّها في معرض الخطر ومثار القلق .
إنّ السبيل الأنسب في المرحلة الراهنة هو أن تستوعب الدراسات الأصولية اليوم تطوّرات قراءة النص الأخرى ولو كان التعاطي نقدياً في
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 425
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٢٥