هائل للطرف الآخر استمرّ تكوينه بنظام المراكمة المعرفي قروناً عديدة .
وإذا كانت الضرورات العلمية تستدعي في مرحلة التركيز على محور ، وفي مرحلة أُخرى على غيره ، فإنها تتطلّب دائماً - تقريباً - توفير الظروف لخلق بواعث على تكوين أجيال مهتمة بالجانب العلمي البحثي المعاصر ، وهذا ما نجد بعض الفراغ فيه شيعياً على الأقل على بعض المستويات في العالم العربي ، إذ هناك اهتمام مضاعف لدى العديد من علماء الدين والجامعيين الدينيين بالإمساك باهتمامات سياسية ، أو اجتماعية ، وهو أمر ضروري ولازم ، لا نشك في ذلك ولا نرتاب ، إلّا أن المشكلة أن الجانب الفكري البحت لا يولى كبير اهتمام إلّا في بعض الأوساط المحدودة جداً ، وغالباً ما تواجه بالنبذ والتقريع .
إن المواقف المتحفظة - بل وأكثر من المتحفظة - التي تتخذها بعض الأوساط العلمية الدينية من الفكر الجديد ، تقتل في أجواء النخب المتحضّرة للانطلاق كل إحساس بالأمل ، وتذيب فيها مشاعر الاندفاع ، بل تخيف الكثير منها ، وتدفعها إلى مزيد من التحفظ المعاكس أو الاحتياط المبالغ فيه أو العمل المراحلي الطويل المدى أزيد من الحدّ الطبيعي ، ومعنى ذلك أن إحساس الأمان ضرورة يطالب بها المعنيون لدفع حركة التفكير نحو الأمام ، حتى لو تورّطت في بعض الأخطاء التي يجب اعتبارها مترقبة وعادية ، فلا تحسب مثل هذه المشاريع بحساب تجزيئي ، بل ينظر إليها بالمجموع من حيث النتائج التي تعطيها على مستوى تطوّر حركة الفكر والمعرفة الدينيين .
وانطلاقاً من هذه الصورة لأولويات المعرفة الدينية ، جاءت اهتمامات هذا الكتاب بمسألة المنهج ، فقد جلنا في صفحاته مع بعض أوراق المنهج في الفكر الإسلامي ، وهو بالتأكيد - كما أشرت في المقدّمة - قدرٌ يسير جداً من هذه الأوراق التي تملأ رفوف البحث العلمي اليوم ، وقد لاحظنا كيف أنّ قضايا المنهج في الفكر تحتاج إلى إصلاحات وترميم وتطوير كلٌّ بحسبه ، وأن ذلك لا يعني - إطلاقاً وبتاتاً - عبثية المناهج القائمة ولا عدم جدوائية استخدامها ، كما يظنّه بعضنا ، بل يعني أننا بحاجة إلى إجراء بعض التعديلات التي قد تكون
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 395
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٥