على هذه الجبهة طفيفةً ، وعلى الجبهة الأخرى عميقة وحادّة .
وقضايا المنهج لا ضير في الاستفادة من تجارب العالم فيها ، فهي قضايا بشرية في الأعم الأغلب ، وكما استطاع المسلمون أن يستوعبوا الفلسفة الغربية الإغريقية بترجماتهم وأبحاثهم بعد أن كانوا لمدة طويلة يحاربونها ويخشون على الإسلام منها ، ربما يكون بإمكانهم اليوم - مع الصعوبات البالغة في أوضاعهم الحضارية والسياسية والعسكرية والأمنية - أن يحققوا قدراً من تكرار التجربة مع حفظ الظروف الزمكانية ، فيهضموا مناهج التفكير الجديدة في الغرب ، ويسقطوا هالتها وهيبتها وقداستها ، وفي الوقت عينه ، يستفيدون منها ويطوّرونها ، ولا يتحسّسوا من معطياتها دوماً ، فليست مناقشة المنطق الأرسطي مثلًا مناقشةً للإسلام ، وإن امتزجت تجربة تاريخ الفكر الإسلامي بهذا المنطق ، فلا ينبغي أن نحصر أنفسنا داخله أو نموت في شرنقته .
في الوقت نفسه ، لا يجدر استقبال قضايا المنهج الواردة من الغرب بحفاوة وترحيب ، دون ممارسة قراءة علمية جادة وواثقة ، فليس الغرب في نتاجه العلمي إلهاً يُعبد من دون الله ، وعلى رغم أوضاعنا المأساوية التي نعيشها اليوم ، يمكننا كثيراً أن نسجّل ملاحظاتنا على مناهج التفكير الغربية ، لا أقلّ انطلاقاً من عراقة تراثنا ، وعمق تفكيرنا في قضايا لم يشتغل الغرب عليها كما اشتغل التراث الإسلامي .
إن الغرب - كما يقول غارودي - بحاجة إلى روحانية الشرق وصفائه ، كما يحتاج الشرق إلى تقانة الغرب وتطوّره التجريبي ، ولعلّ مزاوجةً ما قد تحقق أمراً ليس في حسبان أحد .
لقد سعينا في هذه الوريقات ، كي نفتح بعض النوافذ في البداية على قضايا منهجية تتصل بتفكيرنا وطريقة تعاطينا مع المواد المعرفية مع الآخر / المفكّر / الإنسان ، فأخذنا مفردة التعددية من زاوية الحوار العقلاني ، بعد أن كنا تناولنا موضوع التعددية - عموماً - في كتاب مستقل سبق أن صدر
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 396
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٦