تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
إن تأسيس مراكز بحث تأريخي واستقطاب المؤرّخين لا بد أن يصحبه منح هامشٍ ملحوظ من حرية التفكير والنقد والبحث والاستنتاج والكشف والإعلان للباحثين والكتّاب ، واستبعاد النتائج المسبقة والأجوبة الجاهزة والصيغ الناجزة والتأريخ المعلّب من البين ، وهو ما من شأنه أن يقدّم رؤية تاريخية أكثر نفوذاً على الساحة العلمية ؛ لكونها أكثر موضوعية ومرونة ، وهو ما يجعل من هذا التدوين صورة قادرة على الوقوف بوجه التصويرات الأخرى التي قد لا تجري الموافقة على بعضها إطلاقاً . 3 - ثمّة نقطة مهمة جداً تتصل بصورة قوية بالمسؤولية التاريخية ، وهي أن التأريخ الذي نتحدّث عنه في هذه الدعوة ، ليس عبارة عن إعادة إنتاج لتاريخنا الماضي وإعادة دراسة له ، وإنما هو تأريخ المرحلة التي نعيش لنكون شهداء عليها أمام المستقبل ، وهذا النوع من الجهود يصطدم عادةً بمديح وثناء وتأييد وتزكية لأشخاص أو جماعات أو مذاهب ، كما يواجه مواقف ونقاط سلبية في هؤلاء أيضاً الأمر الذي يجعل مسؤوليّة المؤرّخ صعبة جداً ، تارة من حيث ما قد يواجهه من ردّة فعل من قبل الآخرين ، أو ما قد يفعله ممّا يؤدي - ربما - إلى إزالة أقنعة وإسقاط رموز واتجاهات . . وهو أمرٌ يجعل المؤرّخ مضطراً - في كثير من الأحيان - إلى إبداء المجاملة أو المداراة أو تهدئة الوضع وإزالة مبرّرات التشنّج مما قد يعطيه أحياناً صبغة مصلحية عامّة ، الأمر الذي يؤدي في المحصّلة إلى ضياع الحقائق وزوال الوثائق والمستندات . وقد تتعقّد القضية حينما يحاول المؤرّخ جمع الوثائق ممّن قارب الحدث أو خاض فيه ، وربما يكون من قاربه شخصيةً كبيرة أو جهة مهمّة قد يؤدي بَوحها بالحقيقة إلى تعقيدات مرحليّة ، الأمر الذي يفقد المؤرخ مستندات غاية في الأهمية ، ويجعله أمام معطيات منقوصة . إن الشيء الذي تحتاجه حركة التاريخ الإسلامي المعاصر - بالمعنى الذي ذكرناه‌هو أن لا تكون الاعتبارات والأسماء والظروف مقيّداً للحقيقة