نظرية الإثبات وعلم الأصول المقارن
تحدّثنا سابقاً حول الدراسات المقارنة في الاجتهاد الشرعي وضرورتها ، لكننا نريد التركيز الآن عليها داخل نظرية الإثبات الأصولية ومدى تأثيرها عليه .
والذي نراه أنّه لعل بإمكاننا الجزم بضرس قاطع بأن علم أصول الفقه الشيعي حتى قرابة الشهيدين الأوّل ( 786 ه - ) والثاني ( 965 ه - ) كان أصولًا مقارناً على المذاهب الإسلامية كافّة ، فمن ذريعة المرتضى إلى عدّة الطوسي إلى معارج المحقّق الحلي ونهاية العلامة الحلي . . أصول فقه مقارن على المذاهب الإسلامية ، وكلّما عدنا إلى الوراء ، سيما الذريعة والعدّة ، كلّما بدت لنا هذه الظاهرة بشكل أكبر وأعمق .
إلا أن الفترة اللاحقة شهدت شيئاً من أفول هذه الظاهرة من الدرس الأصولي ، حتى بلغ الحال مع كفاية الآخوند وفرائد الأنصاري أن ندر المرور على قولٍ لغير شيعي أو لنكن دقيقين قلّ ذلك بشكل ملحوظ ، والأمر على المستوى السنّي أوضح وأجلى .
ولعلّ لهذا الأمر أسبابه الطبيعية ، فإن تلك المرحلة كانت مرحلة تثبيت دعائم الأصول الشيعي ، فكان من الطبيعي أن يتم استعراض هذا الأصول في أوساط مدارس الأصول الأخرى ، لكن لمّا الْتَأَمَت الصورة ، واستقرّ الوضع ، استغنى علم الأصول الشيعي عن ذاك الدرس المقارن ، وتطوّرت مدارسه الداخلية ، فصار في شغل بمدارسه عن مدارس غيره .
لكنّ هذا المبرّر لم يعد اليوم قويّاً ومقنعاً ، في ظلّ مستجدّات العلوم عموماً ، فصار من الضروري الاطلاع على مدارس أصولية أكبر ؛ ليكون لعلم الأصول الشيعي حضور أكبر على الساحة العلمية والاجتهادية الإسلامية .
ولا يعني ما أسلفناه أنه انعدمت المحاولات ، فقد كانت محاولة الشيخ محمد رضا المظفّر ( 1388 ه - ) في كتابه : أصول الفقه ، والسيّد علي نقي