تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
إغراق الساحة الثقافية في عواصف من الإرباك ، والتوتر واللااستقرار ، وهي عواصف تعيق - بالتأكيد - عملية التنمية المنشودة .

6 - النظر بعين ناقدة للنتاج الشخصي / التواضع العلمي

ثمّة قصص ومقولات - مسجّلة أو تتناقل شفاهاً - أن بعض العلماء السابقين أو بعض المعاصرين يُحجم عادةً عن نشر كتبه ومؤلفاته ، ويبرر هذا الصنف من العلماء أو من يؤيد توجههم هذا التصرّف بتبريرات عدّة ، يرجع بعضها إلى القول بأن الإنسان كلّما نظر فيما كتبه بعد مدةٍ شعر بالنقص فيه . ولسنا بصدد محاكمة هذا السلوك ، لكن أساسه صحيح ودقيق ؛ فكلما تقدّم الإنسان الباحث في العلم وصارت لديه خبرة أكبر في هذا المجال شعر بالنقص فيما قدّمه سلفاً من نتاجات ، وهذا أمرٌ - كما ألمح - إن دلّ فإنما يدلّ على تقدّم الإنسان نفسه ، وإلّا لشعر بعظمة ما كتبه ولو بعد حين . إن الشعور الدائم بالنقد الذاتي - وكذلك تقبل النقد الموضوعي من طرف الآخرين - يشكل ضمانةً هامة لديمومة الرقي والارتفاع المعرفي ، إن الباحث الذي يعيد قراءة أو التفكير فيما أنتجه - وبصورة متواصلةهو باحث متواضع وليس متكبراً ، وهو باحث يهدف الحقّ والحقيقة لا الأنا والذات ، كما أنّ الشعور بنقص ما قدّمه الإنسان شعورٌ أخلاقي ينمّ في ساحة التدين عن تقوى وتواضع ، أما التكبر في الحياة العلمية فلا معنى له في ظلّ وسائل الإدراك المحدودة للإنسان ، وهذا التكبر هو اليوم - وربما قبل اليوم - إحدى آفات الباحثين والبحث العلمي ، إن الكثير من مقدّمات الكتب أو في مطاويها لا تزول منها عبارات : إنّ ما أتيت به لم أجده عند أحد قبلي ، أو لم يسبقني إليه أحد ، أو هو فتح عظيم ، أو هو تغيير سيقلب معادلات المعرفة والتفكير ، أو هو حلّ لمعضلات دامت قروناً متمادية . . إن هذه الكلمات عندما تصدر في عصرنا الحديث ، عصر التواضع المعرفي ، والاعتقاد بضعف قدرة العقل أمام كشف الحقائق ، إنما تعبّر عن دوغمائية وجزم لا موضوعي ، فيما المطلوب تقديم نمط تفكير أكثر تواضعاً ، أو إذا أردنا أن نعبر بطريقة براغماتية نفعية نقول : نمط