ولعلّ هذا الذي قلناه هو ما دفع جملةً من الفقهاء للتمييز في المقام بين الغايات الواقعة بجعل إلهي وغيره ، كما تقدّم .
المثال الثالث للحالة الأولى أن يكون قيام الأجير بالصلاة بدافع التزام الأمر الإلهي بالوفاء بالإجارة ، فهو ينبعث عن أمر الله تعالى بالوفاء بالإجارة ، وكأنّ الله يقول له : فِ بالإجارة بأن تصلّي لي ركعتين ، وهنا إذا خلق الإقبال على عقد الإجارة بدافع المال هذا الحسّ الداخلي عند الأجير لكي يطيع الله في الوفاء بالإجارة عبر الصلاة له ، أمكن تعقّل القربة والإخلاص ، لكن ينبغي أن يكون ذلك بحيث يعلم بأنه لو لم يفِ بالإجارة أمكنه أخذ المال ولو بالكذب على المستأجر ، فهنا الداعي الحقيقي للإقدام على عقد الإجارة هو المال ، لكنّ الداعي المستقلّ للإقدام على ذات الصلاة هو امتثال الأمر الإلهي بالوفاء ، يشهد لذلك أنه لو قدر على تحصيل المال - ولو بقاءً - دون حاجة إلى القيام بالصلاة لما ترك الوفاء بالإجارة بالقيام بها .
ولا يقال هنا بأنّ دليل الوفاء بالعقود يفرض الإتيان بالعمل المستأجر عليه بوصفه حقاً للمستأجر ، فلا يجتمع مع حقّ الله ، فإنّه يجاب بإمكان كونه واجباً إلهياً تعلّق بفعل هو حقّ الله في ذاته وصار حقّ الغير أيضاً بملاحظة الإجارة بحيث يكون الانبعاث لتحقيق الحقين هو أمر الله سبحانه ، وأيّ منافاة في ذلك للإخلاص والعبادية ؛ فإنّ القيام بحقوق الناس بداعي الأمر الإلهي عبادةٌ كما هو واضح .
والقربة هنا متحقّقة أيضاً مع الإخلاص ؛ لأنّ المطلوب فيها انبعاث العبد نحو الفعل بداعي الأمر الإلهي لحظة الفعل ، وإن كانت المقدّمات التي حقّقت هذه اللحظة بداعٍ غير قربي ، وهنا يمكن تعقل الداعي إلى الداعي ، لكن لا بمعنى أنّ قصد تحصيل المال حقّق قصد القربة ، بل بمعنى أنّ قصد أخذ الأجرة حقّق موضوعاً جديداً - وهو الوضع الإجاري - الذي حقّق في نفسه قصداً جديداً ، وبهذه الطريقة يمكن أيضاً تخريج الواجبات النيابية العبادية .
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 570
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٧٠