تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
للحصول عليه والقيام بأوامره بدافع أنّها أوامره للغرض نفسه ، ففي هذه الحال يتحقّق مفهوم الداعي إلى الداعي . ومثال ذلك الجنّة والنار ؛ فإنّ أمرهما التام بيد المولى سبحانه فهنا ينبعث العبد بدافع منهما أو غرض فيهما لكي يتحقّق التقرّب الحقيقي للمولى تعالى ، فإذا تقرّب إليه وأحبّه أحرز أنه سينال ما وعد المتقرّبين ، وهنا وإن كان الباعث الأول والمحرّك كذلك هو الجنة والنار إلا أنهما خَلَقَا حقيقةً في نفس العبد قصداً جادّاً للاندفاع نحو التقرّب إلى الله تعالى وجعل عمله له وحده وإن كان بغرض الجنّة ، فتشمله أدلّة العبادية ولا يضرّ ذلك بالإخلاص ؛ لأنّ أدلّة الإخلاص تثبت لزوم أن يجعل العمل لله تعالى وحده لا غير ، وفي هذا الفرض كان الأمر كذلك إذ لم يقدّم في وجدانه الداخلي العمل لغير الله وإنما جعله له طمعاً في رضاه المفضي إلى تجنّب النار ونيل الجنة ، ولا دليل على منافاة ذلك للإخلاص . نعم ، لا مانع من وجود مراتب للإخلاص وهذا أمرٌ آخر . والمثال الآخر على الحالة الأولى أن يقوم بالفعل عينه طمعاً في القرب منه تعالى وتحصيل رضاه ، عالماً بأنّ تقرّبه إليه يجرّ عليه منفعةً دنيوية ، نظراً لكون الله تعالى قد وعد من تقرّب إليه بتلك المنافع ، ولو كانت هذه المنافع هي عين ملاكات الأحكام ومصالحها ، فهذا المقدار أيضاً لا يضرّ بالقربية والإخلاص . ويشهد لهذين المثالين - أي التقرّب إليه تعالى لمصلحة جعلها هو نفس سبحانه للتقرّب ذاته - أنّ الكتاب والسنّة مليئان بثقافة المصالح والمكاسب المترتبة على طاعة الله بما في ذلك العبادات الأشدّ عباديةً ، فلو كان ذلك منافياً للطاعة نفسها والعبادية لكان ذلك خُلف الغرض ونقضاً له ، فكيف يروّج المولى سبحانه لثقافة المصالح الأخروية والدنيوية حاثاً على الطاعات من خلالها والفرض أنها تخلّ بمبدأ التقرّب إليه الذي هو غاية الأفعال الإنسانية الصالحة ؟ !
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 569 | حيدر حب الله