نعم ، هنا حالتان :
الأولى : أن يكون عنصر ( المستقبل ) موجباً لانعدام التنجيز أو شرط الوجوب في الحال ، كما لو كان صغيراً الآن وعازماً على المعصية في المستقبل بعد بلوغه ، فقد يقال بعدم وجوب نهيه الآن ؛ لانخرام شرط التكليف لا سيما مع بُعد زمن المستقبل ، ولو وجب فبعنوان آخر .
الثانية : أن يكون العلم بالمعصية في المستقبل من نوع العلوم الإجماليّة الواسعة الأطراف ، كالعلم بأنّ بعض الناس سيرتكبون الحرام غير المعيّن في المستقبل ، أو العلم بأنّ زيداً سيرتكب بعض المحرّمات في المستقبل ولا ندري متى وما هي ؟ فإنه لا يحرز شمول الأدلّة لمثل هذه الحالات ، بل هي منصرفة عنها بملاحظة البُعد الفردي للفريضة ، وإلا لو كان واجباً لكان حرجاً بل لكثرت الأسئلة حوله .
هذا وقد ميّز الغزالي « 1 » في المسألة ، فشرط الوجود في الحال حيث رأى أنّ المطلوب لو انقضى - ولو علم بصدوره في المستقبل - هو الوعظ فقط لا الحسبة ، ويبدو أنّ مراده استخدام المرحلة الثالثة من الأمر والنهي ، ولكن لم يظهر لنا وجهه .
وممّا تقدّم يظهر أنّ من القواعد الأساسيّة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو التثبّت في تحقّق موضوع الفريضة ، بمعنى عدم الاستعجال في الإنكار على الآخرين قبل التثبّت من صدور المعصيّة منهم أو أنّهم على شرفها ، ومجرّد الظنون والتخمينات - كما يفعله بعضهم - لا تنفع ، ما لم تكن معتبرةً شرعاً .
3 - ظهور المنكر وعدم خفائه
يظهر من بعض كلمات أنهم يشترطون في المنكر أن يكون ظاهراً غير مخفيّ أو مستور ، ووفقاً لذلك حكم هؤلاء بعدم جواز التجسّس على من ستر نفسه لمعرفة
هامش
( 1 ) راجع : إحياء علوم الدين 2 : 389 ؛ وحنفي ، من العقيدة إلى الثورة 5 : 260 .