الخطّ الزماني والمكاني ، بل يقيّد القاعدة بإطاره ما لم تكن المعطيات المتوفّرة بالتي تسمح بالتعميم والتوسّع نتيجة خصوصيّات معيّنة الأمر الذي يبقى حالةَ استثناءٍ في العادة « 1 » . ولا نريد بذلك إثبات صحّة الحكم الشرعي بالتجربة في مكان آخر ، بل المفترض أنّنا نختبر الحكم الشرعي في إطار زمكاني محدّد ، والحكمُ يأخذ شرعيّته من النصّ ، وإلا فلو لم يكن النصّ مشرعناً للحكم في انطلاقته ، لما كان هناك معنى للفقه القائم على الدين من الأوّل حتى نقوم باختباره ، بل كان يفترض بسروش أن يصرّح بما ذهب إليه أركون وشبستري من انتهاء عصر الفقه الإسلامي وانطلاق عصر المقنّن الوضعي ، بدل إتعاب نفسه بجعل الفقه ( بما هو فقه ) دنيويّاً ، ثم اختباره ، ولعلّه من الأصل كان يريد الوصول لتلك النتيجة .
وهذا كلّه يعني أنّ خضوع الفقه للاختبار لا يعني إلغاءه بالكلّية بالضرورة ، وإنّما يعني ضرورة التعديل في النظريّة تعديلًا زمكانيّاً . هذا كله لو سلّمنا أنّ فشل الفقه يكون شموليّاً وليس فشلًا لبعض مفاهيمه ، خاصّة وأنّ سروش نفسه يأخذ على مطهّري إشكاله على قوانين علم الاجتماع بأنّها قابلة للنقض في موضعٍ أو موضعين دوماً ، ويرى - أي سروش - محقّاً أنّ ذلك سببُه أنّ مطهّري كان مسكوناً بالهاجس الفلسفي العقلي دوماً بحيث بقي مسكوناً بصرامة الموجبة الكليّة ، ولم يدرك بوضوح روح العلوم الإنسانيّة ومعاييرها « 2 » .
على خطٍّ آخر ، إذا كنّا نوافق على ضرورة خضوع الفقه في مرحلة إدارته للمجتمع لقانون التجربة والاختبار ، فإنّ من الضروري أن نعرف : ما هو معيار النجاح والفشل ؟ إنّ هذا المعيار يظلّ هو الأهم ؛ لأنّ أيّ خطأ في تحديد هذا المعيار سيؤدّي إلى الفشل في الحكم على الدين في مرحلة الاختبار . كما ومن الضروري أن نكون واقعيّين في رصد الفشل والنجاح ؛ لأنّه لا يوجد
هامش
( 1 ) ما سمح لي بهذا ، هو قابليّة القانون للتقييد والتخصيص ؛ لأنّه من سنخ الأمور الاعتباريّة ، وإلا فإنّ انخرام القاعدة في حالةٍ بالاستقراء يوجب هدم القاعدة بوصفها كليّاً قانونيّاً علميّاً ، كما ثبت في مباحث الاستقراء ، وبالتأكيد لابدّ أن يكون هذا بعد التثبّت من أنّ خرق القاعدة كان نتيجة واضحة لزوال المقتضي لا لوجود المانع ، وإلا فلو كان الخرق لوجود المانع فهو لا يهدم اقتضاء المقتضي بوصفه قاعدة أيضاً ، ما لم يصبح الخرق دائميّاً أو أكثريّاً ، وفي هذا السياق يمكن مراجعة الأبحاث التي تعرّض لها الاستقرائيون والأرسطيّون معاً في مسألة التعميمات الاستقرائيّة .
( 2 ) انظر : قصة أرباب معرفت 1 : 404 .