للإسلام ، ولو أنّ هذا الاتجاه ألغى فكرة الشموليّة وذهب نحو البحث في ( الموجود المتوفّر ) لجعل ما لا يثبت أنّ فيه شرعاً ، خارجاً عن دائرة الشرع وداخلًا في سياق نشاط وليّ الأمر ، لكان أصرح مع نفسه وأقوم له .
أمّا الاتجاه الثاني ، فبدا لنا أكثر انتباهاً لضرورة التوافق مع مبدأ حصر التشريع بالله سبحانه ، لكنّه لم يكتشف حقيقة الدور الذي يقوم به وليّ الأمر أو الدولة أو غيرهما في إدارة المتغيّرات والمستجدّات ، فتصوّرَ أنّ القضيّة مجرّد تطبيق للمعطيات الشرعيّة العامّة ، ولم ينتبه - كما انتبه الفريق الأوّل والثالث - إلى أنّ ما يتمّ القيام به عمليّاً هو أعمق من ذلك بكثير ، وأنّ الدولة تحتاج لسلطة تشريعيّة دانية ، تقوم بتسييل مقرّرات السلطة التشريعيّة العالية ( الله ) عبر إعادة إنتاج كليّاتها على شكل قوانين زمنيّة في بعض المساحات تُلاحظ الزمان والمكان والظروف والأحوال ، ولهذا سجّلنا سلسلة ملاحظات على الأركان التي تقوم عليها تصوّرات الاتجاه الثاني ، وقلنا بأنّها لم تتمكّن من الاستجابة لتحدّي الواقع ، فاقتربت من الأصول التحتيّة ( مبدأ الشموليّة - حصر التشريع بالله ) ، لكنّها ابتعدت عن حلّ مشكلة الواقع والكشف عنها .
وأمّا الاتجاه الثالث ، والمتمثل بالعلامة محمّد مهدي شمس الدين ، فقد خطا خطوةً جريئة مقارنة بالاتجاهين السابقين ، حيث أقرّ بنقصان الشريعة النصيّة الصادرة ، لكنّه حافظ على شموليّة الشريعة الواقعيّة ، معتمداً في الوصول للشريعة الواقعيّة - في خارج دائرة النصوص - على مبادئ منهجيّة وضعتها الشريعة للوصول إلى الصيغ التنظيمية المتحرّكة زمكانيّاً .
وقد لاحظنا على هذا الاتجاه شدّة المفارقة في جمعه بين عدم صدور النصّ وشموليّة الشرع ، كما لمسنا شيئاً من الاضطراب في تسوية القضيّة وتحديد مرجعيّة التشريع في دائرة المجهولات ، وغير ذلك من الملاحظات .
وبهذا نخلص للنتيجة الآتية : إنّ التيارات المدرسيّة ، وكذا التيّارات النهضوية المؤمنة بالشموليّة التشريعيّة للدين الإسلامي ، لم تقدر على تقديم تصوّر قانوني معقول يحقّق شموليّة الشريعة على امتداد الزمان والمكان بالمعنى التفصيلي للشموليّة ، بعيداً عن الحاجة للعقل الإنساني ( المؤمن ) الذي يساهم في وضع القوانين ( البشريّة ) ضمن إطار كليّات الشريعة ، وبما لا يتصادم معها .
وبهذه النتيجة نحن بحاجة للذهاب خلف الفريق المقابل لهذا الفريق ، والذي تخلّى - بشكلٍ
شمول الشريعة — صفحة 447
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٤٧