بدوره ، بمعنى أنّه لا يجري في كلّ نصوص السنّة ؛ لأنّ قسماً وافراً منها جاء لمعالجة أوضاع محدودة أو خاصّة وجّه حولها السائلون أسئلتهم ، فتعاطى معها الفقهاء بوصفها قوالب نهائية عامّة وجامدة ومطلقة فيما هي في واقعها نسبيّة بهذا المعنى .
إنّ شمس الدين يميل إلى أنّ النصوص النسبيّة هذه كثيرةٌ ، وأنّ على الفقهاء أن يلاحظوا هذه النصوص بهذه العقليّة ، ويسعوا لاكتشاف حقيقة الحال فيها من هذه الزاوية ، فمجرّد وجود نصّ وصل إلينا بهذه الطريقة لا يخوّلنا أخذه قانوناً عاماً للأمّة في جميع الأزمنة والأمكنة ، وبهذا تكون التشريعات التدبيريّة سياقاً أوسع من مجرّد نطاق المجهولات ، بل هو سنّة سارت عليها النصوص الأولى في الشريعة في مساحة واسعة من الحياة وإدارتها « 1 » ، فهي - بحسب تعبير بعض الباحثين « 2 » - إسهام منقطع لا يختصّ بمجال الفقه السياسي ، بل تأخذ منحى مغايراً يتمثل عبر سلسلة من الحلقات المتكاملة .
وفي الوقت الذي يجعل شمس الدين الدلالة اللفظيّة تارةً وطبيعة الحكم ومناسباته في الواقع تارةً أخرى ، مرجعاً للكشف عن تدبيريّته ، لكنّه يستثني من هذه الذهنيّة كلّها مجال العبادات الذي يراه ثابتاً حتى بتفاصيله ، ويرى أنّ التعبّد في باب العبادات له معنى معقول على خلاف باب المعاملات الذي لا يُعلم ثبوت التعبّد فيه بهذه الطريقة ، وهذا ما يفتح عنده الحديث عن إمكانيّة اكتشاف الملاكات في مجال غير العبادات على خلاف الحال في العبادات نفسها ، ملتقياً في ذلك مع رؤية العلامة السيد محمد حسين فضل الله .
ويذهب العلامة شمس الدين في قراءته هذه إلى إخراج النصّ القرآني ، فيتعامل مع نظريّة التدبيرية بوصفها نظريّة تتعاطى مع نصوص السنّة الشريفة ، لهذا فهو ينحّي عملياً عن مجال الفهم التاريخاني والنسبي المذكور كلًا من مجال العبادات ومجال النصّ القرآني .
بهذه الطريقة ، نجد أنّ الشيخ شمس الدين يؤمن بمبدأ شموليّة الشريعة من جهة ، ويُخلص لأصول الاعتقاد الكلامي والأصولي عند العدلية أو مشهورهم من القول بالتخطئة وتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلّقات في الوقت الذي يؤمن بمرونة الشريعة وتكيّفها مع الواقع ، لتكون نظريّته في منطقة الفراغ التشريعي وهيمنة العناوين الثانوية ونسبيّة جملة وافرة
هامش
( 1 ) انظر : شمس الدين ، مقاربات في الاجتهاد والتجديد ، مجلّة المنطلق ، العدد 112 : 49 - 50 .
( 2 ) انظر : علي فياض ، نظريّات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر : 282 .