وأما الآية الثالثة :
( فَاسْتَقِيما )
، فهي أبعد في الدلالة ؛ فإنها تجعل المطالبة بالاستقامة متفرّعة على إجابة الدعوة ، فهو يقول لهم : إنّ الله استجاب لكما ، إذاً فعليكما بالاستقامة وعدم اتّباع سبيل الجاهلين ، فهي من حيث منطق الترتيب تشبه الآية الثانية تماماً .
وعليه ، فأدلّة الدعاء إنما تثبت استحباب الدعاء الذي يتقدّم الاستخارة أو يقارنها ، أما نفس حركات الاستخارة ، كفتح المصحف أو تحريك حبّات السبحة أو ترتيب الأثر أو عملية الربط بين الاستخارة ورشد الفعل أو المستقبل والعواقب ، فكلها أمور لا ربط لعمومات الدعاء بها ، فلا يصح الاستدلال بعمومات الدعاء لإثبات الاستخارة المصطلحية الاستشارية المتعارفة .
نعم ، الاستخارة الدعائية يلتزم باستحبابها بعمومات الدعاء ، كما أنّ بعض أنواع الاستخارة الاستشارية لا بأس به ، مثل أن يدعو الله تعالى ثم يستشير أهل العقل فما شار عليه أغلبهم أو بعضهم مما رأى صلاحه أخذ به ، فإنّ هذا يمكن إثباته بضمّ عمومات الدعاء إلى عمومات الاستشارة ، أو ضمّ عمومات الدعاء إلى أدلّة الحث على تدبير الأمور وعقلها وما شابه ذلك ، دون الربط بين الدعاء واستجابته ، ودون اعتبار الأمر تعبّدياً غير عقلاني .
وبهذا ينتهي الكلام عن الدليل الثاني ( عمومات الدعاء ) لننتقل إلى الدليل الثالث .
3 - 2 - مرجعيّة قاعدة القرعة ، وتأصيل شرعيّة الاستخارة
الدليل الثالث الذي ذكر هنا لإثبات شرعيّة الاستخارة هو ما ذهب إليه غير واحدٍ من الفقهاء من الرجوع إلى أدلّة القرعة ، وذلك أنّ القرعة مرجعٌ ثابت في كلّ