تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
والإنذار بغرض الله تعالى من الرسالة ، أي أنه ليس من وظائفك سوى الإنذار والتبشير ، ولا مسؤولية عليك غير ذلك إزاء من يرفض دعوتك ، وهذا المفهوم لا يناسب مفهوم الجهاد الابتدائي . ولا تعليق في الآية على عدم القدرة حتى يُقال بأنّ ذلك راجع إلى كونه في مكّة المكرّمة . وكذلك يأتي في هذا المضمار ، قوله تعالى :
( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ )
( المائدة : 92 ) ، حيث تركّز هذه الآية الكريمة على المفهوم المتقدّم عينه ، وهو أنّه على تقدير عدم طاعة الله ورسوله ليس على الرسول من وظيفة إزاء إعراض الطرف الآخر سوى البلاغ المبين ، والسورة مدنية ، فلو كان الجهاد الابتدائي مفهوماً إسلامياً للزم ضمّ هذه المسؤولية تجاه ذلك . لكنّنا لو راجعنا سياق هذه الآية الشريفة بالخصوص فيما سبقها وما لحقها من آيات ، لوجدناها تتحدّث مع المسلمين وأنّهم إذا تولّوا عن إطاعة الله ورسوله فليس أمام الرسول إلا البلاغ . ويبدو لي - إذا لم نشكّك في وحدة نزول هذه الآية مع سياقها - أنّ التولّي هنا هو الإعراض عن طاعة الله ورسوله ، فإذا قصد المعنى الشامل دلّ على الارتداد ، فتكون الآية معارضةً لحكم المرتدّ المعروف في الفقه الإسلامي ، وإلا لزم القول بأنّ أنظمة العقوبات لا تكون من وظائف الرسول بما هو رسول ، وإنما يكون تفعيلها من وظائف الولاية الثابتة له نتيجة العقد الاجتماعي والمواضعة على النزول عند حكمه أو غير ذلك ، وبحثه يكون في الفقه السياسي . وفي هذا الصدد ، نجد كذلك قوله سبحانه :
( وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ )
( الرعد : 40 ) ، وإن كانت هذه الآية غير ظاهرة إلا في الحصر الإضافي الذي نعلم حاله من المقطع الأخير ، أي