أنّه ليس على الرسول إلا البلاغ ، وأنه إزاء كفر الناس لا يكلّف بما هو أزيد ، وأنّه ليس له أن يحمل الناس على الإيمان « 1 » ، فكيف يكون الجهاد الابتدائي ، المنطلق من خاصّية كفر الناس ، من تشريعات ديانة هذا النبي ؟ !
فهذه الآيات الشريفة تنفي وجوب أيّ أمر آخر على النبي إزاء كفر الطرف الآخر ، ومنه الجهاد الابتدائي بملاك الكفر ، لكنها لا تنفي شرعيّته ، وأما مقاتلة النبي المعتدين أو استلامه شؤون الدولة وقيامه بوظائف أخرى فليس له علاقة بذلك ، فهي لا تريد إسقاط الصلاة عن النبي والحجّ والصوم لتثبت عليه البلاغ فحسب ، بل الحصر فيها إضافي ونسبي ، أي بالنسبة إلى إبلاغ الدين وصفته الدعوية النبوية والرسوليّة ليس عليه سوى ذلك ، فإن لم يهتد الطرف الآخر فلا وظيفة غير ذلك ملقاة على كاهل النبي إزاء الطرف المبلَّغ ، وإلا لبيّنت ، أما في الجهاد الابتدائي فالمفروض بدايةً هو دعوة الطرف الآخر فإن قبل وإلا وجب جهاده ، فلو كان هذا التشريع من وظائف النبي للزم بيانه ، على الأقلّ في الآيات المدنية من هذه المجموعة ؛ لأنّه على صلة بالوظيفة الدعويّة ، من حيث ترتّبه على إعراضهم عنها ، في حين نجد أنّ هذه الآيات جميعها ترتّبُ على إعراضهم إعلانَ حصر وظيفته بالجانب الدعوى البياني ، فلا تناسب بين المفاهيم .
وفي هذا السياق أيضاً ، قوله تعالى :
( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً * وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً * قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا )
( الفرقان : 55 - 57 ) .
فهذه السورة رغم كونها مكيةً ، إلّا أنّ في لسانها البياني تعميماً ؛ إذ ربطت التبشير
هامش
( 1 ) وافق الشيخ الطوسي على تفسير جملة : ليس على الرسول إلا البلاغ ، بمعنى أنّه ليس عليه حملهم على الإيمان ، فانظر له : التبيان 8 : 195 .