جهة ، مضافاً إلى أننا قد توصّلنا في آيات سورة براءة إلى عدم دلالتها على الجهاد الابتدائي أساساً . وقد حاول العلامة الطباطبائي ردّ مقولة النسخ هنا بالتمايز بين موضوعي الآيات في براءة وهذه الآية الكريمة ، من حيث إنّ الآيات هناك جاريةٌ في أهل الحرب ، فيما هذه جارية في أهل الذمّة والمعاهدين وأمثالهم ، فلا ترابط بين الموضوعين حتى نفترض النسخ « 1 » ، وهو كلام تابع فيه - إجمالًا - ما قاله الفخر الرازي « 2 » ، ويتناسق مع ما توصّلنا إليه هناك ، بعد فرض أنّ المعاهدين وأمثالهم يشملون - من حيث العنوان - مطلق من لم يحارب ، وإلا فاختصاص الآية الكريمة هنا بالمعاهدين بمعنى الذين وقعت اتفاقية منصوصة بينهم وبين المسلمين لا دليل عليه ؛ لأنّ موضوع الآية هو عدم الحرب لا توقيع المعاهدة .
ب - قوله تعالى :
( . . فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً )
( النساء : 90 - 91 ) .
وهذه الآية الشريفة ظاهرة في أنّ السبيل الثابت للمؤمنين في قتال غيرهم إنما هو اعتداء الغير وعدم رغبته في تهدئة الوضع ، وإلا فإذا لم يصدر منه أمرٌ من هذا النوع فلا سبيل للمؤمنين عليه ، فلو كان الجهاد الابتدائي مشروعاً مطلقاً ، فما معنى نفي السبيل هنا مع أنّ السبيل ثابتٌ إلى يوم القيامة ؟ !
هامش
( 1 ) الطباطبائي ، الميزان 19 : 234 .
( 2 ) انظر : التفسير الكبير 29 : 303 - 304 .