بل في بعضها ما يدلّ على أنّه لا يجوز قتالهم في هذه الحال ، ونلفت إلى أننا لا نريد هنا ذكر الآيات التي تدلّ أقصى ما تدلّ على الجهاد الدفاعي ، فهذه لا تدل على الابتدائي ولا تنفيه ، إنما المقصود هنا ما دلّ - صراحةً أو ظهوراً بالمنطوق أو المفهوم - على نفي وجود شيء اسمه الجهاد الابتدائي .
وعلى أية حال ، فأبرز هذه الآيات هو :
أ - قوله تعالى :
( لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
( الممتحنة : 8 - 9 ) .
فهذه الآية الكريمة ترفع وجوب الجهاد - على تقديره - ضدّ من لا يحارب المسلمين ولا يسعى لإضعافهم ، بل هي ترى البرّ لهم والقسط ، وهو ما يجعل رفع النهي هنا بمثابة الوجوب ؛ إذ لا معنى لرفع النهي عن القسط سوى وجوبه ، فإن القسط - وهو العدل - واجب ، فالآية تريد القول : إنّه حيث لا موجب للجهاد لزم التعامل معهم بالعدل والقسط ، فإذا كان الجهاد الابتدائي واجباً ، وهو الأصل في علاقة غير المسلمين مع المسلمين ، فكيف يمكن تفسير هذه الآية الكريمة ؟ ! بل كيف يمكن فهم الجواز فيها ؟ !
ومن الممكن أن يقال : إنّ هذه الآية وما قاربها في المضمون منسوخة بنصوص سورة براءة « 1 » .
والجواب ما درسناه في محلّه مفصّلًا ممّا أشرنا له سابقاً من عدم ثبوت النسخ من
هامش
( 1 ) انظر : الطوسي ، التبيان 3 : 287 ؛ ومجمع البيان 3 : 153 ، و 9 : 450 .