مضمون التفأل .
قال الفراهيدي : « الفال معروف . . وذلك ضدّ الطيرة » « 1 » ، وذكر ابن السكيت الأهوازي : « . . والفأل أن يكون الرجل مريضاً فيسمع آخر يقول : يا سالم ، أو يكون طالباً فيسمع آخر يقول : يا واجد » « 2 » . ولهذا عبّر عن الطيرة بالفأل الرديء « 3 » . ولهذا كان التيمّن بالفأل عند العرب ، كما أنّ هذا هو المعنى العرفي السائد بين الناس ، فلا يقال لمن يطّلع على الغيب : إنه يتفأل ، بل يقال بأنه ينجّم أو هو كاهن أو عرّاف أو متنبئ أو نحو ذلك ، فالفأل له بُعد نفسي بالدرجة الأولى فيما ستصير الأمور إليه وسيحدث ، فيقع الانقباض والقلق أو الانبساط والبُشر النفساني ، وليس بُعداً معرفياً صرفاً في كشف المغيّبات .
وبناءً عليه ، فالنهي عن التفأل بالقرآن إذا شمل الطيرة على أساس أنها الفأل الرديء فيكون المعنى : لا تفتحوا القرآن لتتشاءموا أو تتيمّنوا من خلاله بفعلٍ ستفعلونه أو بحدثٍ قد يقع ، وأما إذا اختصّ بما قابل الطيرة ، فيكون المعنى : لا تجعلوا القرآن مادةً للاستبشار في الأمور ، والمتحصّل : لا تجعلوا القرآن كالبوم أو الماعز تتشاءمون به .
وهذا المعنى كلّه موجود في الاستخارة مهما فسّرناها ؛ لأنّ الاستخارة - سواء كانت لطلب الرشد في الفعل أو لاستعلام حال العواقب - تستبطن هذه الحالة النفسية التي تستدعي الإقدام على الفعل والاستبشار به أو الإحجام عنه والقلق من عواقبه ولو الأخرويّة ، ولهذا تجد بعضهم ينقبض من مخالفة الاستخارة فيذهب
هامش
( 1 ) العين 8 : 336 .
( 2 ) ترتيب إصلاح المنطق : 286 ؛ والصحاح 5 : 1788 .
( 3 ) الجوهري ، الصحاح 2 : 728 .