2 - إنّ الخبرين المتقدمين لا يدلان هنا أيضاً ، إذ يمكن حملهما على أنّ السعر كان متعارفاً ومقدوراً للناس بعد إخراج البضاعة إلى الأسواق ، فبعد خروج جميع السلع المحتكرة سوف يكون هناك تنافس في الأسعار مما يؤدي إلى انخفاض القيم الشرائية في السوق .
لكن بعد ذلك كلّه ، تراجع الشيخ شمس الدين عن كلّ ما تقدّم ، ليجعل الحبس مقوّماً لمفهوم الاحتكار ، بيد أنه عاد وألحقه فيه حكماً بوحدة الملاك الذي يكشف عنه عموم التعليل في صحيحة الحلبي : « يكره أن يحتكر الطعام ، ويترك الناس ليس لهم طعام » ، وغيرها من الأخبار ، وبهذا أدرج شمس الدين هذه الحالة في الاحتكار حكماً لا موضوعاً « 1 » .
ويمكن التعليق على محاولة العلامة شمس الدين بما يلي :
أولًا : إنّ اللغويين أخذوا الحبس في المعنى اللغوي للاحتكار كما تقدم ، بل الجذر اللغوي يقوم على الحبس كما نقلنا عن ابن فارس ، وإذا كانت عبارة أو عبارتين لم يرد فيهما ذكر الحبس فهذا لا يعني زوال هذا القيد أو كون المورد خلافياً ، والمراجع لكلمات اللغويين يشرف على اليقين بما نقول ، حتى أنّ الشيخ شمس الدين نفسه عندما كان في بدايات أبحاثه يعالج المعنى اللغوي قال : « وقد أجمعت كلمات أهل اللغة على اعتبار أمورٍ لا يتحقق الاحتكار بدونها وهي : جمع السلع طعاماً كانت أو غير ذلك وحبسها بالامتناع من البيع وانتظار غلاء سعرها » « 2 » . كما ذكر في موضعٍ آخر أنّ مفهوم الاحتكار لغةً متقوّم بثلاثة أمور عدّ منها حبس السلعة عن البيع « 3 » .
ثانياً : لم يتضح لي كيف أنّ الشارع تصرّف في مفهوم الاحتكار ، لا سيما عند مثل
هامش
( 1 ) انظر : محمد مهدي شمس الدين ، الاحتكار في الشريعة الإسلامية : 87 - 91 .
( 2 ) المصدر نفسه : 27 .
( 3 ) المصدر نفسه : 29 .