علماء الأخلاق الإسلاميون ، لن يقدر على فهم لذة العرفان واللقاء بالله تعالى إلا من تسامى ليرى تفاهة لذة السلطة والمال و . . تماماً كالطفل الصغير لن يعرف لذة السلطة والمال والجنس و . . إلا بخروجه عن حدّ الطفولة ودخوله عالم المراهقة والشباب والنضج ، هناك سيدرك أنّ كل تلك المعارك القاسية التي كان يخوضها في لعبه ولهوه مع أصدقائه ، لم تكن سوى حفنة من تفاهات وسخافات كان يظنّها شيئاً ما ولم تكن بشيء .
من هنا ، نعتقد أنّ الحياة الراكدة - وهي حياة قد تكون مجتمعيةً وقد تعيشها شريحة واحدة في المجتمعات ، وقد يعيشها أفراد - لا يمكن التجديد فيها بالإقناع الفكري والثقافي المباشر ، بل بالخطوات العملية التي تضع هؤلاء الناس في واقع آخر ، وقد أتعب بعض التجديديّين المستنيرين في عالمنا العربي والإسلامي أنفسهم في إقناع المسلمين بضرورة التجديد ، ولم ينتبهوا إلى أنّ العقل الذي يتلقى خطابهم هو عقل زراعي - مثلًا - فيما خطابهم وليد حياة صناعية ، وأنّ هذا العقل لن يتمكّن - بجدّ وحقيقة - أن يعي معنى هذا الخطاب الجديد إلا بأن يصبح صناعياً بنفسه ، وإلا فلن يفهم التجديد إلا أولئك الأفراد - وليس الجماعات والشعوب - الذين امتازوا ففهموا ، ومشاريع التجديد إذا ظلّت تعيش مع الأفراد والنخب فلن يكتب لها النجاح ؛ لأنّ نخبنا في كثير من الأحيان نخب مخمليّة تجيد لعن المجتمع والتطهّر منه ، ويكثر في مُعْجَمِها نقد الآخر بدل نقد الذات ، فكيف سيسير المجتمع معها حينئذٍ ؟ !
على هذا الأساس ، نحن بحاجة إلى خطاب تجديدي يتزامن مع العصر الذي يعيشه العقل المسلم اليوم ، وعندما أقول : العقل المسلم اليوم ، فأنا أحدّد زمنه الطبيعي المادي ، ولا أحدّد زمنه المناخي والثقافي والمعرفي ، وهنا مكمن الخطر ، أن
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 299
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٩٩