أقدّم خطاب الغرب اليوم للمسلمين مع فارق زمني أساس بين العقلين : الغربي والإسلامي ، فخطاب ما بعد الحداثة في الغرب لن يتمّ هضمه ببساطة في مجتمعات عربية لم تدخل إلى الآن الحداثة نفسها . . . حرقٌ للمراحل أدّى إلى حرق مشاريع التجديد ، ومن ثم إلى اضطرارنا اليوم - بعد أكثر من قرن ونصف على حسن العطار ورفاعة الطهطاوي والأفغاني وعبده ومحسن الأمين - لتبرير شرعية التجديد ، بعد فشل أكثر من مشروع في الأمّة . إنّ مشكلة الكثير من مفكّرينا ومثقفينا أنّهم انتقدوا مخاطبة المؤسّسة الدينية التقليدية لأمم قد ماتت ، كما يعبّر السيد الصدر ، لكنّهم وقعوا داخل مجتمعاتهم أحياناً في مخاطبة أمم لم تولد بعد .
في هذا السياق ، لا نجد أنّ مشروع التجديد ينطلق من الثقافة الدينية وحدها ، وبعض أولئك الذين أطلقوا خطاب تجديد الفكر الديني ليروا فيه حلًا وحيداً لمعضلات عالمنا الإسلامي ، فكّروا هذه المرّة بطريقة قديمة وملغومة معاً ؛ قديمة لأنّهم ما زالوا ينظرون للفكر الديني في موقعه الذي كان يحتلّه في القرون الهجرية الأولى ، وملغومة لأنهم يقرّون بأن السبب الوحيد لتراجع حالنا اليوم هو الفكر الديني ، متناسين أنّ الذين تركوا الفكر الديني من التيارات الأخرى لم يقدّموا هم أيضاً شيئاً يتباهون به على التيارات الإسلامية ، ولو أنّهم فكّروا في عصرنا الحاضر لعرفوا أنّ تجديد الفكر الديني ليس سوى ضلع من أضلاع خارطة التجديد في الأمّة ، بل في الفكر الديني نفسه ، فطريقة التجديد الداخل - دينية شكل من أشكال التجديد لا يكفي لوحده للنهوض بالأمة اليوم ، وإنّما لابد في عصرنا الراهن من التجديد الخارج - ديني أيضاً ، أي تجديد أجهزتنا ومنظوماتنا المعرفية الأخرى وأوضاعنا السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتنموية والعلمية والجامعية وغيرها ، فليس من الضروري أن تعالج أمراض الجلد منه ، بل قد تعالج من مكان آخر كالمعدة .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 300
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٠٠