كما أنّ هذه السيرة في الفترة المعاصرة لزمن النص يحتمل فيها في كثير من الأحيان اعتمادها على عناصر غير مجرّد الموقف الإسلامي ، كما لو اعتمدت السيرة على فهم خاصّ للنص ، كما في موردنا الذي يوجد فيه - كما سيأتي - نصّ وصية الرسول صلى الله عليه وآله في هذا المضمار ، الأمر الذي يحتمل معه أنهم اعتمدوا - بوصفهم فقهاء وعلماء دين معاصرين للقرون الإسلامية الأولى - على هذا النص ، كما أنّ الاستدلال بمسألة شرفية المكان ربما كان عاملًا مساعداً في نشوء هذه المفاهيم المرتبطة بمسألتنا . وربما كانت العوامل السياسية قد لعبت دوراً في تفريغ الجزيرة من غير المسلمين ، الأمر الذي تُلُقّي فيما بعد على أنه أمرٌ ديني ثابت .
على أنه من غير المعلوم تكوّن مفهوم السيرة هنا في القرون الثلاثة الأولى ؛ لأنّ هذا النوع من الأحكام له في الغالب جانب سياسي إجرائي يعني الدولة وأجهزتها ، وليس قضيّةً عبادية أو معاملة مالية شائعة حتى تعيش في وعي الناس بشكل مستمرّ أو تمارس بشكل متواصل ، ومعه يكفي في تصوّر انعقاد سيرة اتخاذ موقف فقهي رسمي من جانب بعض فقهاء الدولة مدعوماً بقرار سياسي في تلك المنطقة ، وأين هذا من تكوّن مفهوم السيرة ؟ !
كما أنّ المسألة في دائرة أبناء الطائفة الشيعية لا تخرج عما قلناه آنفاً ، انطلاقاً من وجود مدارس ورؤى متعدّدة في الوسط الشيعي ، حتى في ظلّ وجود الإمام ، نظراً لقلّة وضعف عمليّة التواصل المجتمعي العام الذي يسمح للإمام عليه السلام بالإشراف عل كلّ المجتمع الشيعي ، لاسيّما مع الظلم الذي مورس على أئمة أهل البيت النبوي في العصرين الأموي والعباسي ، إذ لم يكن التواصل الجماهيري وعلاقة الإمام عليه السلام بالقاعدة كما هي الحال عليه اليوم . وهذه الملاحظة العامّة - وكما أشرنا - وإن لم يكن مجال تفصيلها هنا إلا أنه اتضح أنها تعيق عملية الكشف في السيرة .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 334
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣٤