تقليص مثل هذه الظواهر ، فالموقف الرسمي الديني والسياسي كافٍ في حدّ نفسه في تشكيل سيرة وتعاقد اجتماعي عام في مثل هذه المسألة ، تماماً كما يحصل في عصرنا في بعض الديار الإسلامية ، حيث يكفي إصدار مفتي تلك الديار فتوى ثم قيام الدولة بتطبيق تلك الفتوى لتكون حالةً عامّة ، رغم أنّه قد يكون هناك الكثير من المعارضين لهذه الفتوى في الأروقة والمحافل العلمية .
ومن هنا لا تكون السيرة شاهدةً على توافق فقهي تخصّصي لدى علماء الفقه على مستوى الدراسة العلمية للمسألة .
4 - مستند السيرة الإسلامية العامّة
ذكر المحقق النجفي « 1 » هنا أنّه يمكن التمسّك مباشرةً بالسيرة الإسلامية القائمة على ذلك ، بمعنى جعلها كاشفاً مباشراً عن الموقف الشرعي الإسلامي ، بلا ضرورة لتوسّط الإجماع الفقهي في عملية الكشف هذه .
وهذا هو الفارق في كلامه بين تمسّكه بالسيرة هنا وفي الدليل المتقدّم ، حيث جعلها هناك وسيطاً لاكتشاف الإجماع ، أما هنا فجعلها دليلًا مستقلًا .
وهذا الدليل يمكن أن يلاحظ عليه أمرٌ عام ، وهو أنّ السيرة المتشرّعية يمكن أن تخضع لقانون المدركيّة كما يخضع لها الإجماع ؛ حيث لابدّ في السيرة من رفع تمام الاحتمالات التي تدعم نشوءها من عناصر غير الفقه والحكم الإسلامي .
وهذه السيرة في الفترة اللاحقة لعصر النص يحتمل فيها في حالاتٍ كثيرة - كما في محلّ بحثنا - اعتمادها على الفتاوى والآراء الفقهية للفقهاء وأئمة المذاهب و . . ومع هذا الاحتمال لا تعود لهذه السيرة كاشفيّة تامة عن إسلامية الحكم الذي تختزنه .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 21 : 289 .