تسليمه بالكبرى وقد ناقشناها ، وحديثه عن الوثوق النوعي لو حلّلناه لكان يفترض أن يسوقه إلى إنكار الكبرى ؛ لأنّ الوثوق النوعي هذا يثبت أنّ المطلوب هو الامتثال ، وأنّ العقل لا يريد سوى عدم التمرّد ، لا أنه يريد المبادرة إلى إفراغ الذمّة ، ولكن لأجل الوثوق يرتفع هذا الأمر ؛ فإنّ الوثوق المذكور يقف في مقابل إلزام العقل بالامتثال وعدم التهاون به فيأتي الوثوق أحياناً ليثبت عدم التهاون ، ولا يقف في مقابل حكم العقل بلزوم البدار عند الشك في البقاء ، فإنه لو صدر هذا الحكم لما أفاد الوثوق النوعي شيئاً ؛ لأنّ عدم البدار قد تحقّق معه أيضاً إذا لم يحصل الوثوق الشخصي ، كما هو واضح .
وهذا الكلام بعينه يرد على السيد الخوئي نفسه في تمييزه بين الحجّ والصلاة ، فإنه لو كان العقل قد حكم بلزوم البدار فلا فرق بين الحجّ والصلاة ؛ لأنّ موضوع حكم العقل متحقّق ، ولو حكم بلزوم البدار عند خوف الفوات خوفاً عقلائياً معتدّاً به ، فإنّ هذا الحكم العقلي ليس سوى حكمه بلزوم الامتثال ؛ لأنّ عدم امتثاله ثم موته قد يصدق عليه عرفاً أحياناً - مع خوفه المذكور - أنه لم يراع للتكليف حرمةً وأنّه تهاون به ، فليس في البين إلا حكم عقلي واحد له جانب إيجابي وهو ضرورة الانصياع والتسليم للأمر ، وجانب سلبي وهو المنع عن التمرّد والتهاون والاستخفاف .
د - إنّ ما ذكره الشيخ الفياض من إجراء الاستصحاب الاستقبالي - بصرف النظر عن صحّته في نفسه على نقاش بين الأصوليين فيه يراجع في محلّه - لا ينفع إلا بنحو الأصل المثبت ؛ لأنّ استصحاب بقاء الاستطاعة إلى العام القادم كما ذكره حفظه الله لازمه العقلي الإتيان بالمكلّف به أو واقع امتثال التكليف ، وهذا اللازم العقلي هو الذي يرفع موضوع حكم العقل ، حيث يلغي خوف فوات الامتثال ،
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 207
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٠٧