إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا نجد في أعمال الفقهاء القديمة الكثير من موارد الاستناد إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله ؟ ! وحتى لو ترك فقيهٌ ما حديثاً ولم يذكره ، كيف نعرف أنّ هذا الحديث موضوع ؟ ! فكما يمكن أن يكون هذا الفقيه بحسب وجهة نظره قد تجاهل هذا الحديث ، كذا يمكن أن يكون المحدّث صادقاً في نقله « 1 » ، إذن كيف جعل موقف الفقيه معياراً ؟ !
سادساً : ثمة ملاحظة تستحقّ التأمل والتفكير سجلها الدكتور الأعظمي وتقوم على إشكاليّة اختيار الموادّ المدروسة في المنهج الاستشراقي ، فإنّ أغلب هذه المواد التي بنى المستشرقون قراءاتهم عليها يرجع إلى كتب السيرة لا الحديث ، وهناك في الأصل خلاف في وجهات النظر بين المستشرقين في عملية الدمج والفصل بين السير والحديث ، فلامانس وروبسون يذهبان إلى وحدة السيرة والحديث ، أما هوروفتس فيفصل بينهما ويراهما مصدرين متميّزين .
والحقّ - من وجهة نظر الأعظمي - هو الفصل ، ففي كتب الحديث يمكن ذكر حديثين معاً يحملان موضوعين مختلفين ، بحيث يذكر الأول ثم يذكر الثاني ، أما في كتب السيرة فهناك حاجة لتسلسل القصص والأحداث ، ولهذا كان كتّاب السيرة مضطرّين أحياناً لجمع الروايات المتعدّدة ومزج بعضها ببعض لإخراج حادثة متكاملة ، ولو لاحظنا بعض كتّاب السيرة ممّن صنف في الحديث سنجد أنه في الحديث التزم بالمنهج الصارم عند المحدّثين في الحديث ولم يقم بما فعله في كتب السيرة « 2 » ، وهكذا نجد أن طريقة كتّاب السيرة تقوم على حذف السند تارة وذكره أخرى ، وذكره مبتوراً في موضع ثالث « 3 » .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 448 .
( 2 ) المصدر نفسه : 397 - 398 .
( 3 ) المصدر نفسه : 404 .