نعم يبقى هنا قضية العلاقة بين صحيحة حريز المتقدّمة التي تمثل أقوى وجهٍ للقول الأول وبين الوجوه المعتمدة في القول الثاني ، فالظاهر هو تقدّم أدلة القول الثاني الثابتة سلفاً ؛ لأن منها ما يصل إلى درجةٍ احتمالية عالية كسكوت المتشرّعة عن السؤال عن حكم النظر وهو ما يرفع حجية خبر حريز نظراً لكون الخبر الحجّة هو الخبر الموثوق عقلائياً ، وهذا الخبر مما قامت وجوه عكسية تدفع هذا الوثوق به إذا أصرّينا على تفسيره بالرؤية المباشرية وإلا كانت شواهد القول الثاني معزّزةً لاحتمال التفسير الذي أثاره بعضهم ممّا يعطي الرمزية لتعبير الميل في المكحلة كإشارةٍ إلى اليقين الجازم والدقّة اللازمة في الشهود والشهادة .
3 - مدرك اتجاه التفصيل بين الرجم والجلد
والمدرك الوحيد لهذا الموقف هو النصوص التي تقدّمت في الوجه الخامس من وجوه الموقف الأول المتقدّم هنا ، فهذه النصوص تدل على شرط المعاينة في دائرة عقوبة الرجم لا الجلد ، ومعه فتكون هذه الشرطية خاصةً بهذا النوع من العقوبات على الزنا وتبقى عقوبة الجلد على القاعدة المقرّرة في باب الشهادات من كفاية مطلق العلم واليقين الحسي على أبعد تقدير ، وبهذا يكون هذا الموقف موقفاً تفصيلياً بين الموقفين الأوّلين .
وهذه الملاحظة التي تحكي عن اختصاص النصوص المتقدّمة بالرجم صحيحةٌ ، بيد أنها تواجه مشكلةً هي خبر محمّد بن قيس ( رقم : 6 ) فإنه ينص على عقوبة الجلد مما يرفع هذا التفصيل .
وقد يجاب عن هذه المشكلة بأنّ خبر محمد بن قيس هذا منقولٌ بروايتين تقدمتا أيضاً ، إحداهما تقول بالجلد وثانيتهما تقول بالرجم ( رقم : 2 ) ، فهذان الخبران