ينقلهما محمد بن قيس إلى عاصم بن حميد إلى ابن أبي نجران في الأسانيد كلّها ، مما يعزّز أن الرواية واحدة ، غاية ما في الأمر أنّ الخبر الذي اشتمل على الجلد فيه « حتى يشهد عليهما » بينما الثاني فيه « حتى يشهد عليه » والأوّل أنسب ، هذا من جهة ومن جهة أخرى أضافت الرواية التي ذكرت الجلد ذيلًا يقول : « وقال : لا أكون أول الشهود الأربعة أخشى الروعة أن ينكل بعضهم فأجلد » فإذا لم نرجّح أحد الاحتمالين في الرواية لم ندر ما هو الصحيح فيها فتسقط بمقدار الاختلاف على الأقل ، وبالتالي تزول المشكلة التي نعاني منها إذ تبقى النصوص الأخرى بلا منازع .
لكنّ المش - كلة الأخرى التي تبقى هي رواية حريز المتقدّمة أيضاً ( رقم : 8 ) ، حيث إنها تدل بإطلاقها على لزوم المعاينة في مطلق الحدود رجماً أو جلداً دون أن تفصّل ، بيد أن المشكلة من ناحيتها يمكن حلّها لصالح الموقف الثالث ذلك أن دلالتها سكوتية فإذا ما فهمنا من النصوص الأخرى التفصيل المذكور فلا مانع يمنع من حملها عليه ؛ لأنها ليست في مقام بيان كيفية الشهادة من كافة الجهات بقدر ما هي في مقام بيان حد القذف فإطلاقها من ناحية أنواع الحدود وشرط المعاينة إطلاقٌ بدوي قابلٌ للتفسير في ضوء النصوص الأخرى وليس إطلاقاً محكماً حتى يقال بأنه لا يمكن تقييده بما دل على شرط المعاينة في الرجم بعد أن كان الطرفان مثبتين لا تقييد بينهما كما هو المقرّر أصولياً .
لكن حيث إننا فيما تقدّم قلنا بأن هذه النصوص هي الأخرى كلّها لا تدل على المطلوب سواءٌ اتصلت بالرجم أم الجلد ، فيكون هذا الوجه - ومن ثم هذا الموقف كلّه - في غير محله ، فهذا الموقف مبنيٌّ على دلالة النصوص على مبدأ المعاينة ، وقد تقدّمت مناقشتها ومعه فلا معنى للتفصيل المذكور .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 300
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٠٠