هذا الارتكاز ، إلا أن هذا لا يفيد شيئاً هنا ، والسبب أن الإفتاء بما هو هو لا علاقة له بالمنصب أو الولاية ، وأن هذه العلاقة المركوزة في الأذهان اليوم علاقة تاريخية نشأت عبر التلازم الطويل بين المفتي والحاكم والقاضي والمجتهد في التاريخ الإسلامي ، فقد كان مراجع التقليد قضاةً ، ومفتين ، وحكّاماً ( بالمعنى الفقهي ) ، ومتولّين لشؤون الأخماس والزكوات و . . . ومتصدّين - لا أقلّ بعضهم - لشؤون السياسة والاجتماع ، وهذا التصاحب التاريخي بين المرجعية العامة للفقيه وإفتائه هو ما أدّى لتصوير الإفتاء منصباً أو ولاية ، فيما لا علاقة له بذلك بتاتاً ، إنما هو نحو رجوع الجاهل إلى أهل العلم ، وسؤالهم عمّا اعتقدوه بعد نظرهم فيما تخصّصوا فيه ، فهل الرجوع للطبيب للاستشارة نحو ولاية له أو منصب قيادي في المجتمع ؟ أو هل التعلّم من المؤرخ أو الاقتصادي والاستفادة من خبراته علمياً نحو ولاية له على الطرف الآخر ؟ !
نعم ، التصاحب التاريخي والاندماج الزمني الذي حصل بين عناوين مختلفة ، أدى إلى تصوّر المرجع أو المفتي والياً وله سلطنة على المجتمع بما هو مفتي ، والحال أن الأمر ليس كذلك ، وهذا معناه أن العناوين مفكّكة من حيث طبيعتها الفقهية ، فإذا كان للمرأة مكانة يمكن تقليدها معها جاز الرجوع إليها في شؤون الفقه ، فيما يكون الحاكم أو المرجع العام شخصاً آخر هو الذي يسأل عن الموضوعات أو المنازعات أو غير ذلك ، وعدم معهودية هذا النوع أو استغرابه إنما جاء بسبب القرن الأكيد عبر الامتداد الزمني لهذه العناوين مع بعضها البعض .
نريد بهذه الإطالة إعادة فهم مبسّط غير محمّل بإرث زمني لمفهوم الإفتاء ، وهذا الفهم هو الذي تساعد عليه الأدلة ، ومؤسّسة المرجعية - بوصفها هيكليّة إداريّة - هي الملزمة بالتكيّف مع الدليل لا العكس ، ولعلّ هذا هو مراد من قال بأنّ البحث
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 253
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٥٣