رابعاً : تستوعب مسألتنا تقليد المرأة المجتهدة نفسها من جهة ، كما وتقليد غيرها لها من جهة ثانية ، فليس البحث في رجوع الغير إليها فحسب ، بل حتى في تقليدها لنفسها على تقدير بلوغها مرتبة الاجتهاد ، وإن كان الجدل الفقهي متركّزاً - بشكل أكبر - على المحور الأول ، أي تقليد الغير لها .
الرصد التاريخي للفقه الإسلامي
تبدو المعطيات التاريخية لهذا الموضوع - أي موضوع المرجعية الافتائية - غير متكافئة بين الفقه الشيعي والفقه السنّي ، فلم نجد ظهوراً جاداً له في الفقه السني مؤخراً ، على خلاف الحال في الفقه الشيعي ، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ظاهرة الانحسار النسبي لموضوعة التقليد نفسها في الفقه السني قياساً بما عليه الحال في الفقه الشيعي الإمامي ، فلم يتم تناول مسألة المرجعية سنياً كما تلقاها الفكر الشيعي لتأخذ حيّزاً كبيراً من الحياة الشيعية مؤخّراً .
على أيّة حال ، يبدو أن الفقه السني ، أو غير الإمامي ، لم يشرط - بالاتفاق أو شبه الاتفاق على الأقل - منصب الإفتاء بالذكورة ، فابن حزم الأندلسي ( 456 ه - ) يتعرّض في « الإحكام في أصول الأحكام » لشروط الاجتهاد والمُفتي والمستفتي ، دون أن يشير إطلاقاً إلى شرط الذكورة « 1 » . وعلى المنوال نفسه ، يعقد أبو إسحاق الشيرازي ( 476 ه - ) في كتاب اللمع باباً خاصاً بشروط المُفتي والمستفتي دون أن يذكر شرط الذكورة ، ولو على نحو القيل « 2 » ، وهكذا الحال مع الغزالي ( 505 ه - ) في مباحث الاجتهاد والتقليد من كتاب المستصفى « 3 » ، إذ لم يكن هناك - وكذا في فواتح
هامش
( 1 ) ابن حزم الأندلسي ، الإحكام في أصول الأحكام : 5 : 113 - 130 .
( 2 ) أبو إسحاق الشيرازي ، اللمع في أصول الفقه : 254 - 257 .
( 3 ) الغزالي ، المستصفى 2 : 509 - 631 .