هذا هو المنطق الطبيعي للأشياء ، لكنّني أستبعد أن يصل الحال بالمجتمع الشيعي في بلدٍ مثل لبنان إلى حدّ إمساك التيار السلفي بمفاصله ؛ إذ لا الوضع الشيعي يسمح بذلك ، ولا المصالح العليا السياسية للجماعة يمكن لها أن تتحقّق في ظلّ وضع من هذا القبيل ، ما لم نشهد ظهوراً للبراغماتية في العمل ، بحيث يتحوّل الفكر السلفي من العقديّة إلى البراغماتيّة ، كما رأيناه في بعض المواقع على المستوى السنّي ، وهذا التحوّل نحو البراغماتية ، والذي يفرضه الواقع الضاغط اللبناني الذي لن يسمح بخطاب طائفي لمدّة طويلة ، سوف يترك أثره مرّةً أخرى على البنية الفكرية والثقافية شئنا أم أبينا ، فهناك علاقة جدليّة ، فالخطاب المذهبي المنغلق يمكن أن يحظى بشعبيّة في ظلّ تشنّج طائفي ، لكن عندما يؤدي التشنّج الطائفي إلى انفجار كبير لا يتحمّله المذهب هنا أو هناك ، فهذا يعني أنّ الخطاب المذهبي سيخضع للتشذيب انسجاماً مع ضرورات المرحلة ( البراغماتيّة ) ، ويترك هذا الأمر على المدى البعيد تأثيره في تحويل الخطاب المرحلي البراغماتي إلى جزء من الخطاب الديني العام ، فاسحاً المجال مرّةً أخرى لتيار تقريبي غير منغلق .
إنّ بلداً مثل لبنان لا يمكنه في تقديري تحمّل خطاب سلفي منغلق لفترة طويلة ، سواء كان شيعياً أم سنيّاً أم غير إسلامي ، حتى
حوارات ولقاءات في الفكر الديني المعاصر — صفحة 395
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٥