إلا أن هذا المعنى - على صحّته في الجملة - يواجه مشكلةً واحدة في الصيغة التي ذكرها الطباطبائي ، وهي ورود تعبير تلاوة الآيات في بعض آيات هذه المجموعة سابقاً على تعبير الكتاب ، فإذا أريد بالكتاب نصّ القرآن نفسه فإنه متضمّن في تلاوة الآيات ، مما يبعّد هذا الاحتمال ، وفقاً لمنطق المغايرة الذي قبلت به الأطراف هنا ، على أساس ما تفيده واو العطف .
أما بقية التفاسير المذكورة فهي على صوابها ، إلا أنه لا شاهد على التخصيص بها ، فالمفترض العودة إلى المدلول اللغوي للكلمة ، وقد بيّنا أنه إما يرجع إلى شأن عملي تربوي لا يفيد ثبوته للنبي الحجيةَ بالضرورة ، أو إلى شأن علمي لا شك في ثبوته وحجيته على تقديره ، فإنّ الكلام في الحجية التعبدية لا فيما يحصل منه العلم ، إذ هو حجّة لحجية القطع أو الاطمئنان .
الإشكاليّة الخامسة : إن الاستبعاد الذي قام به أنصار الشافعي للأدلة العقلية في غير محلّه ؛ فإن العقل يستقلّ بالتوحيد دون أن يمنع ذلك عن ورود الكثير من آيات القرآن فيه ، بل إرسال الرسل لأجله ، وإذا كان العقل في تركيبته الذاتية قادراً على تحصيل جملة من المعارف فلا يعني ذلك أن عقل كلّ آدمي سوف يتحقق عنده هذا الانكشاف ؛ لذا فمن الطبيعي أن تكون رسالة الأنبياء قائمةً على استخراج دفائن العقول ، وليس من الضروري - لتصويب غائية البعثة النبوية - أن تأتي بما لا يقدر العقل على الإتيان بمثله ، وإن حصل ذلك منها في الخارج ، لكن عدم حصوله لا يضرّ بحكمة إرسال الرسل وبعث النذر .
وبعبارةٍ ثانية ، فرقٌ بين العقل في مقام الذات وبما هو هو وبينه في مقام العمل والتجربة ، ولولا هذا الفرق لما أشرك بالله أحد ، ولما شاهدنا هذه الأخطاء العقلية الهائلة يومياً ، والتي تصدر من بني البشر ، وهذا موضوع فلسفي - كلامي نحيل القارئ فيه إلى مصادره « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع : حيدر حب الله ، التعددية الدينية : 71 - 78 .