المفترض بنا - أولًا - مطالعة القرآن ، فإن أتممنا المطالعة لجأنا حينئذٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، لنسأله عن تفاصيل هذا الحكم أو بعض البنود الملحقة به ، ولا يصحّ منا التوجّه إلى النبي قبل مطالعة القرآن .
ومن الواضح - على هذا التقدير - بطلان ذلك على المستوى الإسلامي السائد ؛ لأن المفروض أن النبي معصوم في قوله كما أن القرآن معصوم في قوله ؛ فأيّ من الطرفين نسأل ، سوف يكون طريقاً إلى الله تعالى وأحكامه الشرعية ، فلا معنى لتقديم هذا على ذاك ولا ذاك على هذا ، ولا دليل عليه ، بل قد تقدّم السنّة على الكتاب على القول بعدم إمكان فهمه ، وسيأتي بعض التعليق .
ب - وأما إذا أريد السنّة المنقولة المحكية ؛ فإن ثبتت بطريق يقيني مؤكّد ، كان الحال مثل السنّة الواقعية على كلام سيأتي ، وإن كانت أخبار آحاد ، جاء هنا البحث المعروف في الأصول والتفسير في إمكان فهم دلالات القرآن بعيداً عن السنّة ؛ فإن قيل بعدم إمكان الفهم - كما هي نظريّة بعض العلماء الإخباريين من الشيعة - كان من الواضح حينئذٍ أنه لا معنى لتقدّم الكتاب على السنّة ، إذ الفرض عدم إمكان فهمه قبل الرجوع إلى السنّة لتفسيره ، فكيف يقدّم في المراجعة عليها ؟ ! بل قد تكون حينئذٍ بياناً حصريّاً له فلا يمكن الرجوع إليه قبلها أو بدونها ، وإذا قيل بإمكان الفهم ، كان الصحيح تقدّم الكتاب على السنّة ، استناداً لما دلّ من نصوص السنّة نفسها على لزوم عرض أخبارها على الكتاب للتأكّد من سلامة هذه الأخبار عن الدسّ والوضع ما دامت ظنية ؛ لأنّ حجية الخبر لا تولد إلا مقيّدةً بعدم مخالفة القرآن ، لظاهر الأمر الوارد في بعض أخبار الطرح من الأمر بعرض كل ما يأتينا على كتاب الله ، فلابد أولًا من فهم القرآن كي نستطيع في المرحلة اللاحقة عرض الأخبار عليه .
بل قد يقال : إنه لا يصحّ من الناحية المنطقية ادّعاء تواتر حديث أو قطعية صدوره قبل العرض على القرآن ؛ إذ القرآن مصدر تاريخي معرفي قطعي الصدور في الثقافة الإسلامية ، فيما الأحاديث فيها دسّ ووضع وتحريف والتباس ، فلا يصحّ دعوى القطع
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 577
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٧٧