الالتباس أو الشبهة من حيث المقصود منه ، فما معنى تقدّم الكتاب على السنّة ؟ وما معنى تقدّم السنّة أو تأخرها عن الكتاب ؟ مفهوم يمكن أن يتناوله أيّ باحث ضمن تفسير مختلف ؛ لهذا كان من الضروري لنا منهجيّاً أن نطرح تفاسيره ولو المحتملة ، ثم نعمد إلى معالجة الأدلّة على هذه النظرية من موقع رصد التفسيرات المحتملة ؛ لنرى - إن شاء الله تعالى - ماذا تفيد ؟ وأيَّ شيء تنتج ؟
1 - التفسير الأنطولوجي الوجودي
يعني هذا التفسير أن يكون المقصود هنا أنّ القرآن في نفسه ووجوده ، حيث إنه كلام الله تعالى مباشرةً ، مقدّم على قول النبي صلى الله عليه وآله من حيث إنه كلام بشري ، حتى لو كانا معاً معصومين في الإخبار عن الواقع ، لا سيما مع كون القرآن معجزةً تمتاز بمزايا تفتقدها السنّة الشريفة ، مثل المستوى الأرفع من البلاغة والفصاحة و . .
وهذا التفسير لا يبدو أنّ هناك معارضين أساسيين كُثُر له ، فالقرآن هنا مقدّم على السنّة بهذا المعنى ، وليس لهذا التقدّم أيّ أثر ميداني بالنسبة لعملية الاجتهاد .
نعم هناك من ذهب إلى أنّ القرآن الكريم وحيٌ إلهي من حيث مضمونه ومعناه ، إلا أنّ الألفاظ التي نجدها الآن في هذا الكتاب يعود إنتاجها إلى شخص الرسول محمد صلى الله عليه وآله لا إلى الله تعالى ، وتنسب هذه النظرية إلى العارف الكبير محي الدين بن عربي ( 638 ه - ) فيما يُفهم من بعض كلماته في كتاب الفتوحات المكيّة « 1 » ، بل قد حكى الزركشي في البرهان « 2 » ، عمّن نقل عن السمرقندي ( 375 أو 376 أو 383 ه - ) أنّه نقل وجود ثلاث نظريات في قضيّة النزول هذه ، وأنّ النظرية الثانية كانت عبارة عن نزول المعاني وصناعة النبي للنصّ اللفظي ، مما يكشف عن وجود رأي بهذا الصدد يعود
هامش
( 1 ) انظر : الفتوحات المكية 3 : 108 .
( 2 ) بدر الدين الزركشي ، البرهان في علوم القرآن 1 : 229 - 230 .