2 - إنّ المقولة التي طرحها بعض الفقهاء - كالسيد الخوئي في مسألة تشريع الخمس في أرباح المكاسب « 1 » - من التدرّج في زمن المعصومين عليهم السلام في بيان الأحكام ، فقد يثبت حكمٌ في العصر ما بعد النبوي ولم يكن له من وجود في ذاك العصر لا من باب تشريع الأئمة بل من باب التدرّج في بيان الأحكام ، فالحكم مشرّع لكنّ إبرازه متأخّر .
هذه المقولة إن أريد بها استقلال المعصومين بالتشريع بعد عصر النبي ، فقد تقدّم عدم ثبوته ، بل تقدّم ما يمنعه ، وإن أريد بيان الحكم فحسب ، فإن بيّن الحكم في عصر النبي ولو على نطاق محدود أو كان بيانه بعموم استخدمه الإمام على نحو السنّة المطبّقة أمكن الأخذ به ؛ لعدم استلزامه منافاة النصوص القرآنية وغيرها ، أما إذا لم يبيّن الحكم في عصر النبي ، وكلّ ما في الأمر أنّه شرّع في لوح الواقع أو أسرّ به النبيّ للإمام وهكذا ، لكن بيانه تأخر فهذا لا يفيد ؛ لما تقدّم من أنّ ظاهر آية إكمال الدين وغيرها هو إكماله للناس لا إكماله في اللوح المحفوظ أو النفس النبوية أو الولوية ، فلا معنى للتدرّج في البيان بهذا التفسير بعد عصر النبي ؛ لمخالفته النصوص المتقدّمة .
3 - إنّ ما جاء من أنّ الإمام المهدي عليه السلام يبيّن أحكاماً في آخر الزمان لا يفيد هنا ، فإن كان المراد بيان ما انطمس من الدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحيث يبدو وكأنه يأتي بدينٍ جديد ، فلا بأس به ؛ لعدم استلزامه استقلاله بالتشريع ولا منافاته للنصوص الصحيحة الدالّة ، أما غير ذلك فهو مردود بمنافاته للقرآن ، أو لا أقلّ من تعارض الروايات فيرجع لموافق الكتاب ، نعم قد يكون المراد - كما يلوح من كلمات المحقق الخراساني ، مستدلًا بأنّ حلال محمد وحرامه حلال وحرام إلى يوم القيامة « 2 » - صدور الأحكام في
هامش
( 1 ) الخوئي ، مستند العروة الوثقى ( كتاب الخمس ) : 196 .
( 2 ) كفاية الأصول : 98 ؛ وإنّما عبّرنا بأنّه يلوح منه ذلك ، لأنّه كان يتحدّث عن الفعلية والإنشائية في الأحكام ، فلعلّه يقصد إنشاء الحكم في العصر النبوي مع الإسرار به للإمام علي مثلًا ، لا أنّه صدر وظلّ عدم فعليته سارياً إلى عصر المهدي .