عنه ، والمعرفة هنا لا تعني العلم ، بل الاستئناس مقابل الاستيحاش ، لهذا قالت الرواية : يعرفه الناس ولا ينكرونه ، ولم يقابل المعرفة بالجهل بل بالإنكار ، أي حديث مستأنس مستساغ لا يُنكر أو يستوحش منه ، يقال : فلان حديثه منكر ، بمعنى غريب مخالف للمستساغ والمألوف ، وما شابه ذلك .
ولعلّ ما يؤيد هذا المضمون ما جاء في خبر آخر - قال عنه الهيثمي : إنّ رجاله رجال الصحيح ، ووصفه ابن الجوزي بالصحيح أو الحسن « 1 » - عن أبي أسيد عن النبي ، قال : « ما جاءكم عنّي تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنّه منكم قريب فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عنّي تنكره قلوبكم وترون أنّه منكم بعيد ، فأنا أبعدكم منه » « 2 » .
إضافةً إلى ذلك ، لا معنى - حسب رأي بعض الباحثين « 3 » - لأن يكون الحديث عن النبي ، ولكنه لم يقله ، كما تصرّح بذلك هذه الروايات ، فهذا فيه قدرٌ من التناقض ، إلا إذا قلنا بأنّ المراد الترخيص في العمل به لحسنه حتى لو لم يكن النبي قاله ، كما قد يستوحى من بعض نصوص المستحبات ، فلا يكون هذا النقد وارداً .
6 - تمييز بين حجية السنّة وتأسيسيّتها
إنّ ما دلّ على أنّ الرسول لا يحرّم إلا ما حرّم الله في الكتاب ، يمكن طرحه في مناقشة
هامش
( 1 ) مجمع الزوائد 1 : 150 ؛ وابن الجوزي ، دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه : 47 ، وابن حجر ، القول المسدّد في الذبّ عن المسند : 142 .
( 2 ) مسند ابن حنبل 3 : 497 ، و 5 : 425 ؛ ومجمع الزوائد 1 : 149 - 150 ؛ وموارد الظمآن 1 : 189 ؛ وصحيح ابن حبان 1 : 264 ؛ وابن حجر ، القول المسدّد : 141 - 142 ؛ والخطيب البغدادي ، الكفاية في علم الرواية : 470 ؛ والسيوطي ، الجامع الصغير 1 : 108 ؛ وكنز العمال 1 : 179 ؛ وتذكرة الموضوعات للفتني : 28 ؛ وعبد الخالق ، حجية السنّة : 477 .
( 3 ) عبد الخالق ، حجية السنّة : 477 .