فهل صحيح أن مكّة في ذلك العصر كانت تجبى إليها ثمرات العالم ، أم أنّ المراد ثمرات منطقةٍ ما ، أو أكثر الثمرات أو هو تعبير للمبالغة أو . . ؟ !
8 - وقال تعالى :
( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
( النحل : 68 - 69 ) .
فهل إنّ النحل يأكل من كل الثمرات ؟ وهل صحيح أنّ هذا الكلام يقع على إطلاقه ؟ !
فجملة هذه الآيات - بضمّها إلى بعضها بعضاً - تجعلنا على دراية أكبر بالاستخدام القرآني للتعميم ، وهو ما يؤكّد ما قلناه مراراً من أن التعميم في اللغة العربية ليس كالتعميم المستخدم في لغة الفلسفة أو المنطق ، يراد به الأكثرية ، أو يمكن على الأقلّ أن يراد به المبالغة في الشيء أو بيان الأعم الأغلب ، ما شئت فعبّر ، وهو ما نسمّيه الموجبة الأكثرية في لغة العرب ، بل في لغة العرف عامّة .
ولا نقول : إنّ كلمة « كلّ » لا تدلّ على العموم ، بل نقول : إن عدم دلالتها عليه ليس أمراً منافياً لمعطيات اللغة ، شرط تحقق مبرّر استخدامها ، وهو الكثرة الكاثرة والأعم الأغلب ، فما نريده من النقطة الرابعة هو التركيز على هذا الأمر لفتح نافذة للتوفيق بين أدلّة حجية السنّة وأدلّة عدم الحجية .
5 - أنواع السنّة النبويّة ، محاولة رصد جديدة
سنحاول هنا النظر إلى السنّة النبوية ضمن تقسيم جديد مختلف ، وذلك أن السنّة النبوية على أنحاء هي :
النحو الأولّ : السنّة المفسّرة ، وهي التي تشرح لنا القرآن ولا تضيف عليه ، بل تبيّنه وتكشف المراد الإلهي منه ، والروايات التي ترجع إلى شرح القرآن ليست بالقليلة ،