على الاستيعاب النسبي لا المطلق ، ولما كان القرآن الكريم كتاب دين وهداية ورشاد فإنّ الحديث عنه بلغة كلّ شيء يجعل القدر المتيقن من الدلالة هو القضايا الراجعة إلى هداية الناس لسبيل الله ودينه وما شابه ذلك لا مطلق الأمور ، ولا أقلّ من أنّ هذا السياق المقامي ومناسبات الحكم والموضوع تعيقان حصول اطمئنانٍ بالشمول التام المذكور .
وربما يكون هذا هو السبب الذي دفع بعض المفسّرين إلى تفسير الكليّة هنا بالدين أو بالحلال والحرام « 1 » .
وقد لا يصحّ جوابنا هذا على نظرية جمعٍ من الفلاسفة والعرفاء والمتصوّفة الذي انتهجوا في فهم القرآن نهج التأويل العرفاني - الصوفي ، وهو نهجٌ يقوم - باختصار شديد - على الاعتقاد بفكرة الظاهر والباطن ، لكن لا على الطريقة السائدة ، بل على أساس أن باطن كل شيء هو حقيقته ، فالباطن ليس باطناً دلاليّاً حتى أعبر إليه عبر الألفاظ ، وإنما هو باطن وجودي لا أبلغه إلا عبر الغوص في رتب الوجود للوصول إلى تلك الرتبة التي يستقرّ فيها الباطن القرآني ؛ لأنّ القرآن حقيقة مجرّدة متعالية ترجع إلى الذات الإلهية ، وتنزُّلها وتجلّيها في عوالم الوجود يأخذ أشكالًا تتناسب مع تلك الرتب الوجودية ، إلى أن يبلغ هذا الكتاب عالمَنا المادي فيظهر على شكل ألفاظ ومصحف وكلمات ، فالظاهر شكل من أشكال الباطن ومظهر من مظاهره ، فلا معنى لترك الظاهر لصالح الباطن ولا لترك الباطن لصالح الظاهر ، لأنّهما وجهان لعملة واحدة ، لهذا لم يعتقد كثير من العرفاء بأن الوصول إلى الباطن يكون بالغوص في دلالات الألفاظ ، لأنّهم شادوا معادلة بالغة التعقيد تقول : ليست الألفاظ سبيلًا لفهم مراد المتكلّم ، بل
هامش
( 1 ) انظر : النحاس ، معاني القرآن 4 : 101 ؛ وتفسير السمرقندي 2 : 287 ؛ وتفسير ابن أبي زمنين 2 : 415 ؛ والجصاص ، أحكام القرآن 3 : 246 ؛ وتفسير الثعلبي 6 : 37 ؛ وتفسير الميزان 12 : 324 - 325 ؛ وتفسير الواحدي 1 : 352 ؛ وتفسير السمعاني 3 : 195 ؛ والتفسير الكبير 20 : 99 ؛ وتفسير البحر المحيط 5 : 511 ؛ وتفسير إرشاد العقل السليم 5 : 135 .