غير الكتاب لشؤون الدين ؛ فإنّ كون القرآن نوراً وبياناً وتبياناً ومحكماً أمرٌ لا ينفي دور غير القرآن ، فإنّ إثبات شيء لشيء لا ينفي الوصف عمّا عداه ، فلا محصّل من الاستدلال بهذا النوع من الآيات ، مع قطع النظر عن عنوان الكليّة ( كل شيء ) الوارد في بعضها .
ثانياً : إنّ آيات التفصيل لا تهدم حجية السنّة ؛ لأنّه مهما فسّرنا هذا التفصيل بالمعنى المناسب لصالح المستدّل هنا ، فإنّ الآيات تريد الإصرار على أنّ النص القرآني قد بيّن تفصيلات الأمور والأحكام ، وهذا أمرٌ يمكن القبول به ، بيد أنه لا يثبت احتواء تفصيله لتمامها ، فإنك قد تقول : إنّ ما بأيدينا من روايات فيه تفصيل الأحكام الشرعية ، مع اعتقادك بأنها لا تحوي تمام الأحكام ، فوصف الكتاب بالتفصيل لا ينافي عدم احتوائها تمام التفاصيل ، بل يمكنه أن يجامع بقاء شيء آخر لمصدر ثانٍ مثلًا ، وهذه الملاحظة تستبعد أيضاً وصف الكليّة ( كل شيء ) الوارد في هذه النصوص .
ثالثاً : إنّ الآية الأولى - بحسب الترتيب الذي أسلفناه - غير ظاهرة في إرادة القرآن الكريم ، وذلك بقرينة السياق ؛ إذ تمام الآية كما يلي :
( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ )
( الأنعام : 38 ) ، وفي مثل هذا السياق الذي يتحدّث عن أمورٍ تكوينية في الخلق والبعث يصبح من الأقرب تفسير الكتاب باللوح المحفوظ وما شابهه ، ذلك أن كلمة الكتاب قد جاءت في القرآن الكريم على معاني عدّة ، منها التوراة والإنجيل ، وهو ما تحمل عليه كلمة « أهل الكتاب » الواردة كثيراً في القرآن الكريم ، ومنها : القرآن نفسه ، كما في قوله تعالى :
( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ )
( المائدة : 48 ) ومنها : اللوح المحفوظ أو ما شابهه مما هو خلق تكويني عند الله تعالى ، مثل قوله تعالى في سورة الأنعام نفسها :
( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ )
( الأنعام : 59 ) ، وللكتاب معان أخرى أيضاً في القرآن الكريم .