تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
وعليه ، فأقرب المعاني إلى سياق الآية هو أن يراد بالكتاب ما أريد منه في السورة نفسها ، أي الكناية عن ذاك اللوح الحاوي للعلم الإلهي الرباني ، ومعه فتكون الآية أجنبيةً عن بحثنا ، ولا أقلّ من عدم حصول ظهورٍ في أنّ المراد بالكتاب فيها هو القرآن الكريم ، مما يبطل الاستدلال بالآية على المقصود هنا « 1 » .

الاستيعاب القرآني والنظريات الصوفية

رابعاً : إن آية التبيان الواردة في سورة النحل - وهي الآية الثانية بحسب التسلسل المتقدّم - لا يمكن الأخذ بظهورها ، فهي مؤوّلة على كلّ حال ، وتقريب ذلك أنه لو أخذنا بظهور ( كلّ شيء ) الوارد فيها للزم القول باشتمال القرآن على بيان تمام العلوم والفنون ، وكل صغيرة وكبيرة في العوالم كافّة منذ الأزل وإلى الأبد ، وهو أمر نقطع ببطلانه ، فهل الأحداث اليومية التي تحصل للناس كلّ يوم موجودة برمّتها في القرآن الكريم ؟ ! وهل تمام التواريخ وأخبار المستقبل موجودة فيه ؟ ! وهل العلوم والصناعات والفنون إلى يوم الدين فيه ؟ ! إذن ، لزم تأويل العموم الموجود في الآية بالتنازل عنه إلى إرادة الكثير من الأمور أو أكثرها ، وبهذا يفسح المجال لمصادر أخرى في المعرفة الدينية عموماً كالسنّة النبوية . إلا أنّ هذا الجواب قابل للمناقشة ؛ لأنّ العموم الوارد في الآية لا يراد منه العموم التام كما فهمه هذا الإشكال ، بل العموم في قضايا الهداية والدين وأمثال ذلك ، وشاهد ذلك نابعٌ من السياق العام ؛ ذلك أنه لو كان بين يديك كتاب في الفيزياء وقيل لك : لقد استوعب هذا الكتاب تمام الأمور ، فلا تتصوّر أن يريد القائل أنه استوعب أحداث التاريخ ، بل نفس كون الكتاب الذي يجري الحديث عنه في الفيزياء يصلح قرينة على إرادة تمام أمور الفيزياء ، وهكذا لو حملت كتاباً في التاريخ وقيل مثله فيه فلا يفسّر إلا
هامش
( 1 ) بعد كتابتي هذه الملاحظة ، رأيت من ذكرها ، مثل : محمد مصطفى شلبي ، أصول الفقه الإسلامي : 121 .