تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
والإجماع ، ومعه فإذا كانت نظرية المقصودين بالإفهام صحيحةً فإن السنّة أولى باستقبالها من الكتاب الكريم ، إذ من أين نتأكّد أن المعصوم عليه السلام في جوابه لزيد أو عمرو قد قصد إفهام تمام الخلائق ؟ ! ولسنا نريد هنا البتّ في هذا الموضوع ، لا على صعيد الكتاب ولا على صعيد السنّة ، بل نقصد أن حقّ هذه النظرية الورود على السنّة قبل القرآن ، لا الورود على القرآن لكي نثبت بذلك حجية السنّة ، والذي نعرفه من مطالعة وجهة نظر أنصار هذه النظرية أنّهم لم يميّزوا فيها بين النصيّن : القرآني والحديثي . الملاحظة الرابعة : إن هناك منطلقاً أيديولوجياً لا نبرهن عليه الآن ، وهو أنّ القرآن جاء بياناً وتبياناً ورسالةً خالدة للإنسان ، ومن مقتضى الحكمة الإلهية أن يضع الله تعالى فيه القدر الأكبر من قرائن وضوحه ومرجعيّته ، حتى يمكن الرجوع إليه عند التباس الأمور أو تعارض الأخبار ، فهنا مقدّمتان : المقدّمة الأولى : إنّ رسالة الله للناس هي الدين وقد بعث الأنبياء لأجلها ، وقد احتواها القرآن الكريم ، وجعل كتاباً خالداً إلى يوم الدين . المقدّمة الثانية : إذا لم يضع الله تعالى كتابه على أساس إمكان أن يفهمه الناس بعد قرون إذا لم يقصّروا فلا يكون قد فعل أمراً حكيماً ، إذ كيف يكون حكيماً من يضع كتاباً لأجيال متعاقبة ثم لا يمكنهم فهمه نتيجة ظروفٍ قاهرة لا ترجع إلى تقصيرهم ؟ فإنّ هذا بنفسه تقصيرٌ في إبلاغ الرسالة . وعليه ، نخرج بالنتيجة التالية : لابدّ أن يكون القرآن قد نُظّم بطريقة يمكن فهمها - ولو بمقدار الحدّ الأدنى - حتى للأجيال القادمة إذا لم تكن مقصّرة ، وهذه الاتجاهات الثلاثة التي ذكرناها ، لا سيما الاتجاه الأخير المعاصر ، لا يرجع سقوط اعتبار القرآن فيها إلى تقصير الناس ، ومعنى ذلك أنّه بمقتضى العلم والحكمة الإلهية يلزم أن يكون الله تعالى قد وضع في القرآن ما يمكّن من الاستغناء فيه عن الشواهد المحيطة ، أو ما يجعل معرفة هذه الشواهد ممكنةً ، وهذا هو الذي ننشده ونطلبه .