فكيف يمكن للمولى سبحانه أن يشرّع لنا أحكاماً - عباديةً وغيرها - ثم يعمّيها عنّا ، ولا يبيّنها لنا ؟ ! وكيف يمكننا التعبّد بأحكامه ولم يشرحها لنا أو يفصّلها ؟ ! وكيف لنا معرفة الناسخ من المنسوخ ؟ ! وحيث كان الأمر كذلك ، كان مستحيلًا على الله سبحانه أن لا ينصب شارحاً لكتابه ومبيّناً لتفاصيل أحكامه ، وليس إلا الوحي غير القرآني على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمتمثل بما نسمّيه بالسنّة النبوية .
وهذه الصيغة لتقريب هذا المفهوم ، جاءت بأشكال وتعابير مختلفة على لسان جهابذة علماء أصول الفقه ، كالإمام الشافعي ، وابن حزم الأندلسي ، وأحمد بن حنبل الذي صنّف كتاباً خاصّاً في طاعة الرسول ، والسيوطي الذي صنّف كتاباً خاصّاً أسماه « مفتاح الجنّة في الاحتجاج بالسنّة » ، وغيرهم « 1 » .
والمفهوم الذي تحمله هذه الصيغة كامنٌ في لاوعي الجميع ، وإن لم يصرّح به كثيرٌ من العلماء المسلمين ، بل قد وجدنا بعض العلماء المسلمين يعتبرون أن إنكار حجيّة خبر الواحد يؤدّي إلى ضياع الدين واضمحلاله ، فكيف بإنكار أصل السنّة حتى لو ثبتت بالتواتر ؟ !
ملاحظات نقدية على التصوير الكارثي لإنكار السنّة النبوية
وهذا الكلام يمكن أن تسجّل عليه مناقشات نقدية ، وذلك :
أولًا : إنه لا يوجد جواب عن هذه الطريقة في تناول الموضوع إلا استخدام ما نسمّيه : أسلوب إلغاء الاستغراب ، وذلك بأن يقال : إنّ الصورة المرتكزة الراسخة في وعينا اليوم عن الدين وأحكامه ، إما أن نكون مستعدّين للتخلّي عنها حيث لا دليل
هامش
( 1 ) انظر : عبد الغني عبد الخالق ، حجية السنّة : 326 - 334 ؛ ومحمد مصطفى شلبي ، أصول الفقه الإسلامي : 120 ؛ ومحمد كمال الدين إمام ، أصول الفقه الإسلامي : 156 ؛ ومحمد تقي الحكيم ، الأصول العامة للفقه المقارن : 117 - 118 ؛ وإبراهيم سلقيني ، الميسّر في أصول الفقه الإسلامي : 75 ، 82 .