الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ )
( البقرة : 142 - 144 ) .
فهذه الآيات جعلت الرسول أسوةً ، ومعنى ذلك أنه قدوةٌ يُقتدى به ومثالٌ يُحتذى ، فيكون قوله وفعله حجةً على العباد ، كما أمرت باتّباعه وجعلت ذلك أساساً لمحبّة الله للمؤمنين ، دون أن تقيّد هذا الاتّباع بشيء ، وقد مدحت أيضاً من يتّبع النبي الذي يحلّ الطيبات ويحرّم الخبائث . . . وهذا كلّه دليل على حجية سنّته ولزوم السير وراءه في مطلق أموره صلوات الله عليه وعلى آله .
أما الآية الرابعة فإن دلالتها على المطلوب بنحو الالتزام ؛ إذ كأنها تكشف عن أن تزويج النبي من زوجة ابنه بالتبنّي زيد بن الحارثة كاشف عن تشريعٍ إلهي ، مما يعني أن فعل النبي تعبيرٌ عن الحكم الإلهي ، وهذا هو معنى حجيّة سنّته الشريفة .
كما أنّ الآية السابعة والأخيرة نزلت عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، مما يعني أن التوجّه في الصلاة إلى بيت المقدس كان مشروعاً قبل ذلك ، بل يعني أنّ النبيّ رغم ميله الشديد إلى التوجّه إلى الكعبة ، كونها قبلة آبائه ، لم يفعل ذلك ، وظلّ مواظباً مع أصحابه ملتزماً التوجّه إلى بيت المقدس ، الأمر الذي يدلّنا - بحسب المحصلة النهائية المستفادة من مجموعة الآيات - أن توجّههم هذا كان واجباً عليهم قبل تحويل القبلة بآيات سورة البقرة .
وهذا كلّه يؤكّد أن التوجّه إلى بيت المقدس كان حكماً شرعياً لازماً على المسلمين قبل التحويل ، رغم أننا لم نعثر في أيّ آيةٍ من القرآن الكريم على ما يدلّ على أنه شرّع التوجّه إلى بيت المقدس ، فمن أين جاء هذا الإلزام الذي فرض على المسلمين ترك قبلة آبائهم - أي الكعبة - والتوجّه إلى شمال الجزيرة العربية ؟ ! ليس من تفسير لذلك سوى أن وحياً تلقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن لفظياً قرآنيّاً ، وأنّ المسلمين اختبروا باتباعه ، فيما صنّف من لم يتبعه بأنّه ممّن ينقلب على عقبيه .
وقد يقال : إنّ التوجّه إلى بيت المقدس كان بمحض عقول المسلمين واجتهادهم ،